الجمعة - 21 فبراير 2020
الجمعة - 21 فبراير 2020

لبنان.. مجتمع جديد في طور التكوين

مارك لافيرني
كبير زملاء البحث في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، محلل أمني سياسي لقضايا الشرق الأوسط.
خرج الآلاف من اللبنانيين إلى الشوارع يهتفون ويعبرون عن غضبهم وسخطهم الذي نفذ مع الأيام من تكاليف الحياة المتراكمة والتي لا تنتهي.. لقد ضاقت بهم الدنيا فخرجوا متهمين الحكومة بسوء تسيير مقدرات البلاد!، ولكن قبل كل هذا تجدر الإشارة هنا إلى أن الوضع العام المضطرب في المنطقة منذ عام 2011، قد ألحق ضرراً بشكل كبير بالاقتصاد اللبناني، خصوصاً قطاعي التجارة والسياحة، في حين كان على البلاد بحكم الجوار استيعاب مليون لاجئ سوري. هذا الوضع الذي يثقل دولة بحجم لبنان، وراء اضطراب محتمل في تشكيلة الحكم اللبناني المستقبلي، فقد تمثل هذه التظاهرات نقطة تحول من النظام الموروث لتقاسم السلطة ونظام المحاصصة الذي يؤطر المشهد السياسي إلى نظام لم تتعود عليه لبنان، ويعتبر نظام المحاصصة آخر طريقة سياسية للإمبراطورية العثمانية، فبعد الحرب العالمية الأولى جاء الانتداب الفرنسي الذي وجد بـ«لبنان» مجتمعين ساحليين بشكل أساسي هما: التجار السنة والتجار اليونانيون الأرثوذكس (الروم)، وثلاث مجتمعات فلاحية تسكن المنحدرات الشديدة لجبل لبنان يحكمها أمراء دينيون وإقطاعيون: الموارنة (الكاثوليك) والدروز والشيعة، مع مجموعات صغيرة أخرى، يصل إجمالي تعدادها إلى 18 مجتمعاً معترفاً به رسمياً!

ما يذهلني في الحركة الحالية وتجلياتها، هو أن خطوط الصدع هذه لم تعد تعمل، فاللبنانيون من جميع الأعراق يتشاركون نفس المصاعب اليومية ويتقاسمونها بنفس الثقل، ويتحدون في رفض ما يعتبرونه قيادة فاشلة وفاسدة! وهذا فأل طيب بالنسبة لمستقبل لبنان كأرض للتسامح الديني كما كانت عليه منذ قرون، وللابتعاد عن الخلافات غير المثمرة داخل المجتمع، فهل هذا الوعي المشترك الجديد هو نتيجة للتحضر أو التعليم أو الهجرة، أو هو نتاج لعجز الشبكات التقليدية عن توفير التضامن الاجتماعي بعد الآن؟ وهل تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي هي السبب وراء تقهقر خطوط الصدع المجتمعي التي تعبر عن التعبئة الجماهيرية وأدواتها؟ وهل القادة أو الزعماء لم يعودوا قادرين على توزيع ريع الدولة بشكل يرضي جميع اللبنانيين، أم أنهم أكثر حرصاً على الاحتفاظ به لأنفسهم؟

بالتأكيد في حالة حزب الله، نجد أن العقوبات المفروضة على إيران والأزمة المالية التي عانت منها، قد قللت من قدرتها على دعم عملائها وأذرعها، ولكن لن تتمكن الدول الغربية ولا أي شريك أو طرف آخر، من استعادة الازدهار اللبناني، وكل ذلك حتى لا يتم الترحيب باللاجئين السوريين، مهما كانت نتيجة الحرب في وطنهم قريباً!
#بلا_حدود