الاحد - 19 يناير 2020
الاحد - 19 يناير 2020

إعادة نظر في مشروع صناعة الدول الوطنية

مارك لافيرني
كبير زملاء البحث في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، محلل أمني سياسي لقضايا الشرق الأوسط.
يوم 11 نوفمبر الماضي، شاركت في الاحتفال السنوي في ذكرى نهاية الحرب العالمية الأولى مع مجلس مدينة القرية الفرنسية التي أنتمي إليها، وكنا نرتل الأناشيد التي تحيي ذكرى جنودنا الشهداء البواسل، وتناول بعض المسؤولين في مجلس القرية بطولاتهم من خلال خطب تذكر بتضحياتهم وإقدامهم.

بدا وكأن تلك الأوقات أصبحت بعيدة جداً، ومغرقة في القدم بالنسبة للأجيال الجديدة من الشبان، حيث لم يعد عالم اليوم يشبه في أي شيء عالماً انقضى وولى منذ قرن من الزمان.

ولكنك لو تذكرت أن اتفاقية سايكس ـ بيكو التي رسمت الحدود الراهنة التي تقسم دول الشرق الأوسط من دون استشارة مسؤوليها أو مراجعتهم، فسوف تنظر إلى موت هؤلاء الفتية الفرنسيين الشبان بطريقة مختلفة أثناء اقترابهم من حصون وقلاع إسطنبول المنيعة، فلقد أدت الحرب العالمية الأولى إلى انهيار الإمبراطورية العثمانية.


وأما بالنسبة للألمان والإمبراطورية النمساوية - المجرية والروس، فلقد ذهب قادتهم إلى الحرب من دون أن تكون لديهم أية فكرة عن نتائجها، التي قد تتلخص بانهيار عالمهم ذاته وظهور عالم آخر جديد تماماً.

وفي حقيقة الأمر فإن هذه الحدود خلقت دولاً جديدة تحولت لدرجة ما إلى أوطان، وفتحت الباب أمام المشاعر القومية العربية الحماسية النابعة من الإحباط والخوف من نهاية مستقبل الحدود المصطنعة، كما هو حال كل الحدود الناتجة عن المعارك أو المعاهدات.

ولقد استثارت المشاعر القومية العربية التوقعات بتحقيق التقدم ووسطية المعتقدات والدفاع عن الحرية والعيش الكريم، ولكنها انتهت إلى انتشار الظلم والدكتاتورية والفساد، وهو ما أدى إلى ظهور الإسلام السياسي الذي أوحى لبعض المغرر بهم بأنه قادر على تحقيق الأحلام ببناء عالم مبني على الكمال والروحانيات على الأرض، إلا أن هذا المشروع انتهى أيضاً إلى سلسلة من الإحباطات وحمامات الدم. وكانت أوروبا مهداً للدول القومية بعد توقيع مجموعة معاهدات «ويستفاليا» للسلام، التي أنهت حرباً أوروبية ذات أصول دينية دامت 30 عاماً، واجتاحت القارة بأكملها عام 1648.

وبالرغم من مرور عدة قرون على توقيع تلك المعاهدات، إلا أن هناك الآن من يتحدى الواقع الجديد الذي فرضته هذه المعاهدة من اسكتلندا في بريطانيا وحتى كتالونيا في إسبانيا في إطار الرغبة في الانفصال والتحول العام نحو العلمنة، والرغبة في العودة إلى الأصول واعتماد الحلول المحلية.

ولكن، وأثناء تصاعد صرخة المطالبة باستقلال تلك المناطق، لم يكن هناك رفض للنموذج الذي تقوم عليه الدولة الوطنية والتي تُعتبر حقاً للمواطنين مهما كانت مشاربهم وعقائدهم بالاشتراك في صنع مستقبل ومصير بلدهم، وهذا هو بالضبط ما يرمي إليه مفجرو الثورات الشعبية في شوارع بيروت وبغداد.

ولا شك أن تحقيق مطالبهم المشروعة سوف يمثل دعماً قوياً للاستقرار في الشرق الأوسط كله، وهو ما يتطلب أيضاً منح حقوق المواطنة الكاملة لكل سكان تركيا، والتغلب على رغبات القيادة العنيدة الراهنة.
#بلا_حدود