الخميس - 23 يناير 2020
الخميس - 23 يناير 2020

ترامب لن يُعزل... ولكن

سريعاً جداً تمضي الولايات المتحدة الأمريكية في محاولة عزل رئيسها الحالي، وإن شئنا الدقة يمكن القول إن أمريكا المنقسمة على ذاتها تتخبط جراء المكايدات السياسية بأكثر من انقسامها حول حقيقة الاتهامات عينها.

نهار الأربعاء الماضي كانت رئيسة مجلس النواب السيدة نانسي بيلوسي تطلب وبشكل رسمي من رئيس اللجنة القضائية في المجلس إعداد لوائح الاتهامات ضد الرئيس دونالد ترامب باعتباره، على حد تعبيرها، «أساء استغلال السلطة لتحقيق منافع سياسية، وقوض الأمن القومي الأمريكي، وعرض للخطر نزاهة علاقاتنا، ولهذا فإنه لم يترك لنا سوى خيار التحرك».

السؤال الواجب طرحه: "هل السيدة بيلوسي مخلصة كل الإخلاص في توجيه هذه الاتهامات للرئيس ترامب أم أن الأمر تموضع سياسي في رداء قانوني، بمعنى أن الأمر برمته محاولة إنهاء ترامب سياسياً والتمسح بذرائع قانونية لذلك؟"

المؤكد أن الديمقراطيين ومعهم الدولة الليبرالية الأمريكية العميقة يكنون لترامب كراهية كبيرة منذ اليوم الأول له في البيت الأبيض، ولا يقبلون حتى الساعة بفكرة وصول رجل الأعمال القادم من خارج السياق السياسي كرئيس للبلاد.

بدأت المشاغبات مع ترامب بداية عندما اصطلح على تسميته بـ «روسيا ـ غيت»، ولم يُقدَّر للمحقق مولر أن يثبت وجود علاقة ما بين ترامب وحملته الانتخابية وبين الروس.

والآن يعيدون الكرَّة بسبب مكالمته الهاتفية مع الرئيس الأوكراني فولدويمير زيلنسكي، والتي يرى الديمقراطيون أنها كانت مثالاً لاستغلال السلطة الرئاسية بشكل سيئ لإثبات تورط جو بايدن الساعي للترشح لرئاسة أمريكا عن الديمقراطيين العام المقبل، في قضية تعيين ابنه كعضو نافذ في إحدى شركات النفط الأوكرانية.

عدة أسئلة مثيرة لقلق الأمريكيين وليس لترامب فقط، وفي المقدمة منها كيف قُدِّر لرجال الاستخبارات المركزية اختراق البيت الأبيض والحصول على تسجيل لهذه المكالمة؟ أليست هذه في حد ذاتها تهمة كبرى قانونياً وكارثة تبيّن مدى الاهتراء الأخلاقي لنموذج المنافسة السياسية الأمريكية الداخلية؟

ثم الأمر الآخر هل ما جاء في المكالمة تقويض للأمن الداخلي الأمريكي كما تدعي نانسي بيلوسي بالفعل؟

الشاهد أن اتهامات الإضرار بالأمن القومي الأمريكي أكبر وأعرض كثيراً جداً من مجرد مكالمة هاتف، وهذا ما يدركه رجل الشارع الأمريكي. وعليه، فإن الجمهوريين في مجلس الشيوخ سيكون من اليسير بالنسبة لهم اعتبار المكالمة نوعاً من حث ترامب نظيره الأوكراني على محاربة الفساد في بلاده، وهناك تخريجات قانونية عديدة، فالمكالمة على سبيل المثال لا يمكن أبداً أن تقارن بمحسوسات قضية «ووترغيت» وتنصت نيكسون على خصومه، ما أجبره على الانسحاب في نهاية الأمر وتقديم استقالته.

يحاول الديمقراطيون الإسراع بموعد التصويت على إزاحة الرئيس ترامب قبل 25 ديسمبر الجاري، أي قبل احتفالات الكريسماس، وإذا قدر لهم إصدار مشروع قانون بعزل الرئيس، فإن الأمر سوف يُرفع بعد إجازة الأعياد إلى مجلس الشيوخ.

يدرك الديمقراطيون أن لا حظ لهم في أن يصوت مجلس الشيوخ المسيطَر عليه من قبل الحزب الجمهوري على قرار عزل ترامب، وعليه يبقى التساؤل: «ما هو الهدف الحقيقي من كل هذا الصخب وتلك الضجة؟».

يرى بعض المحللين الأمريكيين أن الحزب الديمقراطي يحاول أن يضع العصا في دواليب حملة ترامب الرئاسية المقبلة، لا سيما وأن الرجل مصمم على الفوز، لكن يفوتهم أن الأمر ربما ينعكس بالسلب عليهم إذ سيؤدي الهجوم عليه إلى التفاف الشعبويين من حوله في مقابل الليبراليين المنفلتين.

لن يُعزل ترامب، لكنها محاولة ديمقراطية لدفعه للسير على عكازين.

#بلا_حدود