الأربعاء - 29 يناير 2020
الأربعاء - 29 يناير 2020

أفغانستان أفريقيا

أحمد المسلماني
مستشار الرئيس المصري السابق - مصر
في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية جاء أناسٌ من خارج التاريخ ليسكبوا الدمّ على الفقر، وبدلًا من الجفاف القاتل أصبح الناس يعانون الجوع والخوف، فلا مجتمع ولا دولة، ولا أمن ولا طعام، ثم كان أن امتدّت جغرافيا الموت من بوكو حرام إلى داعش.، وواجهت «الدولة» في غرب أفريقيا فشلًا ذريعًا.

فـي «مالي» استعانت الدولة بفرنسا، وفي عام 2013 بدأت العمليات العسكرية الفرنسية، ولليوم مضتْ ست سنوات، ولكن الأمور لاتزال سيئة للغاية، فثمّة مناطق جرى تحريرها، لكن الأمر يبدو كمن يحفر بئرًا للمياه، وما إنْ ذهب لحفر بئر آخر حتى يقوم آخرون بردم البئر الأول، وبينما يجري حفر البئر الثالث يكون البئران السابقان بحاجة لترميم وإعادة الحفر من جديد!.

أدركت فرنسا أن الأمر كأنه كمين لها، حيث مضت كل هذه السنوات من الحرب دون دعم أوروبي أو تدخل من الناتو، لقد وجدتْ باريس نفسها وحيدةً في الصحراء الكبرى وفي مساحةٍ تصل إلى ضعف مساحة بلجيكا (70) مرة، إذْ تمتد الجغرافيا حيث تتواجد التنظيمات الإرهابية التي لا تكترث لفكرة الحدود، على مساحة تزيد على (2) مليون كيلومتر مربع.


تغمض الولايات المتحدة عيناها عمّا يجرى، ويتشاغل الناتو هو الآخر بشِبه الحرب الباردة مع روسيا والصين، ويهاجم كثيرون في دول الساحل والصحراء العمليات الفرنسية، ويرون أنها تهدف إلى عودة الاستعمار الفرنسي من جديد.

ثم كانت المفاجأة القادمة من روما، حيث باغت السياسي الإيطالي «لويجي دي مايو» فرنسا متهمًا إياها بإفقار أفريقيا، وبالتالي هجرة الأفارقة إلى أوروبا، ودعا الاتحاد الأوروبي إلى معاقبة فرنسا على ذلك.

وهكذا تتشكل صورة صادمة لفرنسا: مقتل (13) ضابطًا فرنسيًّا في حادث تصادم طائرتين فرنسيتين أثناء مطاردة إرهابيين، وتتراجع شعبية فرنسا في أفريقيا، أضف إلى ذلك إهمال الناتو للعمليات الفرنسية والاكتفاء بالتأييد الصحفي، ثم اشتباك روما مع باريس ودعوتها لمعاقبة فرنسا على دورها في أفريقيا، ومن ثم أوروبا، يأتي هذا كله في الوقت الذي تشهد فيه فرنسا مظاهرات تشمل العديد من الفئات، بينما تنفق فرنسا أكثر من (700) مليون يورو سنويًا في منطقة الساحل والصحراء.

هنا جاء خطاب الرئيس ماكرون غاضبًا وزاعقًا.. حيث دعا الرئيس الفرنسي أوروبا والناتو إلى العمل الميداني إلى جانب فرنسا، كما أنه انتقد الناتو نقدًا لاذعًا، ثم توجّه إلى قادة دول غرب أفريقيا بالدعوة إلى قمة رئاسية في فرنسا طالبًا منهم إضفاء الطابع الرسمي على وجود فرنسا في بلادهم، متسائلًا: «هل تريدون وجودنا؟ وهل تحتاجون إلينا؟».

يرى البعض أن وضع فرنسا في أفريقيا يشبه وضع أمريكا في أفغانستان، ومثلما بدتْ أفغانستان معركة سهلة لواشنطن، بدت أفريقيا كذلك، لكن ما جرى هو استنزاف واشنطن في أفغانستان، وأن ما يجري هو استنزاف باريس في أفريقيا، ذلك أن المعارك التي بدأت قبل ستّ سنوات لاتزال في أول الطريق.. إنها ببساطة أفغانستان أفريقية.
#بلا_حدود