الاحد - 29 مارس 2020
الاحد - 29 مارس 2020

أمريكا.. والاتفاق التركي ـ الليبي

محمد زاهد غول
كاتب وباحث تركي، رئيس مركز شرقيات للبحوث بإسطنبول، ورئيس تحرير الإندبندنت التركية، له العديد من الكتب وعشرات الأبحاث والمقالات في الشأن التركي، كما ترجم عدداً من الكتب من التركية إلى العربية
تأخر صدور الموقف الأمريكي من الاتفاق العسكري التركي ـ الليبي الموقع 27 نوفمبر الماضي، ولكنه جاء متوقعاً في ألّا يكون حاسماً برفض الاتفاق ولا الموافقة عليه صراحة، لأن الخارجية الأمريكية تريد أن تستثمر تفاعلات هذا الاتفاق بما يخدم المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط ومعادلاتها المعقدة، فقد جاء وصف مذكرة التفاهم على لسان مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأمريكية بأن: «مذكرة التفاهم حول الحدود البحرية الموقعة بين تركيا وليبيا استفزازية».

وعلَّل المسؤول الأمريكي ذلك بـ«أن الاتفاقية التركية الليبية مثار قلق للولايات المتحدة»، وأن واشنطن «قلقة للغاية»، هذه القراءة الأمريكية غير بعيدة عن مخاوف أمريكا من الدعم الروسي لقوات المشير خليفة حفتر، وهو المتوقع أيضاً من حلف الناتو، الذي ينظر بأعين الريبة والحذر من التمدد العسكري الروسي بحجة الاضطرابات في دول الشرق الأوسط، فأمريكا وأوروبا سترفضان بكل قوة تمدد نفوذ الروس إلى ليبيا، وقد يكون تفسير ذلك تزايد الدعم العسكري المصري لقوات الجيش الوطني الليبي في الأيام الأخيرة، بما فيه إرسال دبابات من طراز (72T)، ومحاولة لقطع الطريق على روسيا، كما أن الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أخذ ينزع عن حكومة الوفاق في طرابلس معنى الشرعية الدولية باعتبارها تمثل ميليشيات إرهابية، وهذا قد يمثل من وجهة نظره مبرراً لمحاربتها من قبل قوات حفتر بدعم دولي، وهو ما قد يعدم الدعم الدولي للاتفاق التركي ـ الليبي دولياً.

وبالنظر إلى زيادة رفض المعارضة التركية الداخلية، فإن زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال قلجدار أوغلو المعارض أعلن عن رفضه للتدخل العسكري التركي في ليبيا، وسأل: «ما شأننا في ليبيا؟»، بل وطالب الحكومة التركية بسحب قواتها من سوريا أيضاً، فهذه مواقف تتم قراءتها من خلال توافقها وانسجامها مع المواقف الأمريكية.


إن أمريكا قد تجد نفسها مستفيدة من نزاع عسكري في ليبيا أو في البحر المتوسط تكون تركيا أحد أطرافه، فبالتأكيد أن ذلك يخفف الضغوط التركية على حلفاء أمريكا شمال سوريا، وفي نفس الوقت سوف يزيد من حالة الصدام والعداء بين تركيا وروسيا، لأن المواقف التركية والروسية في ليبيا متناقضة أكثر منها في المشهد السوري، وأخيراً فإن أكبر خطورة يمكن أن تظهر هي تزايد مظاهر الصراع العربي ـ التركي، إلى مستوى الحرب العسكرية، وهو ما سوف يضرب شعبية أردوغان ضرباً مبرحاً في الوطن العربي والعالم الإسلامي أكثر مما سبق.
#بلا_حدود