الجمعة - 21 فبراير 2020
الجمعة - 21 فبراير 2020

عالم تحت النار

مارك لافيرني
كبير زملاء البحث في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، محلل أمني سياسي لقضايا الشرق الأوسط.
قبل بضعة أيام أشار أمين معلوف، وهو الروائي والمفكر ذو الأصول اللبنانية وعضو الأكاديمية الفرنسية وصاحب الكثير من الأعمال الفكرية ومؤلف كتاب «الحروب الصليبية كما يراها العرب»، إلى قضية مهمة، عندما نفى وجود «صراع بين الحضارات»، وذلك خلافاً للمقولة التي يطرحها وينادي بها المفكر والأكاديمي السياسي الأمريكي صامويل هنتنجتون من خلال كتابه الذي يحمل صراع الحضارات، وأصبح رأي معلوف معتمداً من طرف نخبة من مشاهير القادة السياسيين في بلدان تمتد من الولايات المتحدة حتى الصين، وعلى العكس مما يراه هنتنجتون، فإن الحضارات لم تكن يوماً أكثر تقارباً وسرعة في التحول واسع النطاق إلى قرية عالمية من الآن، لتنبئ بذلك باقتراب ميلاد حضارة متجانسة أكثر توحداً وتآلفاً من خلال التوجه نحو التكامل والاندماج الاقتصادي والثقافي.

ويرى معلوف أيضاً أن الصراعات والخلافات والانقسامات الداخلية هي ظواهر تحدث في صلب الحضارات القائمة بسبب تفاقم مشاعر التنافس والتحدي وحتى الكراهية التي قد تسود بين فئات المجتمع الواحد، وهي التي تؤدي بالضرورة إلى إضعاف الإحساس بشعور الانتماء الوطني والاشتراك في المصالح العامة، وقد تقود إلى الفوضى وانهيار الأمم والأوطان، وليس أدل على ذلك من الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي (البريكسيت)، واعتماد الاسكوتلنديين والكاتالونيين الانفصالية في أوروبا، والاحتجاجات الشعبية في الوطن العربي والإسلامي، والاستعراض الخطير للقوى العسكرية في منطقة الشرق الأقصى بسبب الطموحات الصينية.

وتتعرض الحضارة الغربية ذاتها لهزة عنيفة في قيَمها ومعتقداتها الأساسية، ومنها الاعتقاد بالحاجة إلى تشجيع الحوار والانفتاح واحترام التنوع الثقافي والتمسك بالوحدة الوطنية، بعد أن عاش العالم ويلات حربين عالميتين كلفتا أوروبا دماراً شاملاً إضافة لملايين الضحايا.


ويبدو وكأننا أصبحنا نعيش في عالم فقد أحاسيسه كلها، ونحن نرى كيف أن القمة العالمية للمناخ التي احتضنتها مدريد مؤخراً انتهت بالإعلان عن الفشل في الموافقة على القرارات المتعلقة بالتحكم بالتغير المناخي، ويحدث هذا في وقت تتسع فيه رقعة حرائق الغابات من كاليفورنيا حتى حوض الأمازون والآن وصلت إلى أستراليا، ومن الواضح أن أسباب هذه الكوارث لا تعود لسلوك الضحايا بل بسبب النشاطات البشرية.

ولا يسعني إلا أن أتذكر مأثرة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، عندما كان يوصي بعدم إشعال المصابيح الكهربائية ومكيفات الهواء داخل قصره عندما لا تكون لها حاجة، وعلى نفس المنوال عندما أستقلّ سيارة أجرة أو أدخل مبنى عاماً في الإمارات العربية المتحدة، أشعر أنني أكاد أتجمد أو أُصاب بنزلة برد حتى في الظروف التي يكون فيها الطقس شتوياً جميلاً في الخارج، ويمكن تفسير ذلك في أن الشيخ زايد ينتمي إلى زمان وأجيال ندرة الأشياء، إلى جانب الإحساس بالظروف الطبيعية واحترام مبدأ التوازن بين حاجات البشر والنعم التي منّ بها الله عليهم، ويمكن لهذا التفكير القويم أن يساعدنا على الشعور الواعي بالمشاكل الاقتصادية والبيئية، وبحاجاتنا البشرية الجماعية في الوقت ذاته.
#بلا_حدود