الاثنين - 01 يونيو 2020
الاثنين - 01 يونيو 2020

البراءة السياسية على المنهج الياباني

ساتوشي إيكوتشي
أستاذ في جامعة طوكيو، مفكر وأستاذ قسم الأديان والأمن العالمي في مركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا المتقدمة (RCAST) ـ جامعة طوكيو. يشمل تخصصه السياسات الإسلامية والسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط والعلاقات الدولية بين آسيا والشرق الأوسط.
قام الرئيس الإيراني حسن روحاني بزيارة إلى اليابان يومي 20 و21 من شهر ديسمبر الجاري، وهي الأولى من نوعها لرئيس إيراني منذ زيارة الرئيس الأسبق محمد خاتمي لطوكيو عام 2000.

وكانت الزيارة جزءاً من جولته في عدة دول آسيوية عندما كان في عودته من ماليزيا بعد حضور القمة الإسلامية المثيرة للجدل في كوالا لامبور والتي استضافها رئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد.

وخلافاً لما كان متوقعاً من خلال الظهور الواضح لروحاني في القمة مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وأمير قطر، فلقد اختار روحاني موقفاً متحفظاً كرّر من خلاله الإيحاء بأن زيارته لطوكيو ستكون ذات طبيعة ثنائية لن يتعرض خلالها للحديث عن المواجهة مع الولايات المتحدة، والتوتر المتصاعد مع الدول الخليجية العربية، وكان ردّ اليابان على هذا الموقف قد تجلى بالاستقبال المتواضع للرئيس الإيراني في هذه الزيارة التاريخية، وكان العامل المميّز لهذا الحدث هو التكتم التام وعدم الإدلاء بتصريحات علنية من الرئيسين آبي وروحاني.


وكانت المحادثات بين الطرفين قد تمحورت حول هدفين أساسيين، يتعلق أولهما بالطموح الخفي لرئيس الوزراء الياباني شينزو آبي بالتوسط بين الرئيس ترامب وطهران من جهة، والحديث حول رغبة إيران باستئناف تصدير النفط لدول آسيا من جهة أخرى.

ومن الناحية الرسمية، ظهر وكأن الاجتماعات كانت تتم على أساس أن زيارة روحاني لطوكيو ليست أكثر من مجرّد ردّ احتفالي على زيارة آبي لإيران في شهر يونيو الماضي.

وبعد نهاية اجتماعاته مع آبي، رحّب روحاني بالخطة اليابانية التي تقضي بعدم المشاركة في التحالف البحري الذي تقوده الولايات المتحدة في الخليج، والاكتفاء بدلاً من ذلك بإرسال سفن قوة الدفاع البحري الذاتي اليابانية إلى مناطق بعيدة عن مضيق هرمز وقريبة من مضيق باب المندب، وبحر عمان من أجل جمع المعلومات الاستخبارية، وكانت موافقة رحماني على نشر القوة البحرية اليابانية متواضعة ولكنّها مثّلت مكسباً مهماً للحكومة اليابانية.

ومن المعروف أن الهدف الأساسي لليابان في الشرق الأوسط هو الحفاظ على العلاقات الثنائية القوية وطويلة الأمد مع كافة الأطراف، ويكمن هذا الخيار الذي تتمسك به بتمتين العلاقات الثنائية مع القوى والمعسكرات المتعادية بالرغم من صعوبة تبنّي هذا الخط السياسي خلال السنوات الأخيرة.

ولنتذكر أنه ليس لليابان ماضٍ استعماري مع بلدان الخليج والشرق الأوسط، ومن المعلوم أن عدم وجود علاقات استعمارية يعني في أغلب الأحوال توفر أدوات ومعارف أقل للتأثير في المواقف بطريقة عمليّة، ويعني أيضاً أن اليابان بعيدة تماماً عن مواقف العداء والتوتر في الشرق الأوسط.

وتستأثر اليابان بميزة أساسية تكمن ببراءتها من معظم الخطايا التي اقترفتها القوى الخارجية والداخلية في منطقة الشرق الأوسط، وضمن هذه «البراءة الاستراتيجية» بالذات، والتي قد يكون من الأفضل أن نسميها سياسة «التجاهل الاستراتيجي»، تكمن قوة الطموح البنّاء.
#بلا_حدود