الأربعاء - 01 أبريل 2020
الأربعاء - 01 أبريل 2020

حرب باردة وملامح عصر جديد

فاروق جويدة
شاعر وكاتب صحفي ــ مصر
من يتابع خريطة القوى في العالم سيكتشف أن هناك أدواراً تراجعت وهناك أخرى تصدرت المشهد أمام تحولات كثيرة، ولا شك في أن الجانب الاقتصادي كان له دور كبير في هذه التحولات، وعلى سبيل المثال فقد كان للطفرة الاقتصادية التي حققتها الصين نتائج سياسية على المستوى العالمي.

إن ظهور روسيا كقوة عظمى مرة أخرى قد غيّر حسابات كثيرة، والجديد في الأمر أن روسيا قد ورثت الاتحاد السوفييتي وجوداً ونفوذاً وتأثيراً، فلم يستمر الموقف طويلاً بالنسبة للولايات المتحدة التي اعتقدت أنها القطب الوحيد، فسرعان ما عادت روسيا وقفزت إلى مناطق كثيرة بدأت مع الدول العربية في سوريا في صورة تواجد عسكري ومع الدول العربية الأخرى في صورة علاقات ومصالح ابتداء بمصر ودول الخليج والسعودية وسرعان ما اقتربت روسيا من البترول الليبي.

والآن وقد وصل التهديد الروسي إلى تركيا لو أنها أرسلت قوات عسكرية إلى ليبيا، فإن روسيا لن تتردد في إرسال قوات هي الأخرى وهذا يعني أن روسيا على استعداد للحرب كما في سوريا.


إن الدولة الروسية لم تنجح في التواجد في المياه الدافئة في البحر المتوسط فقط، ولكنها حققت إنجازات كبيرة في إنتاج نماذج من الأسلحة المتقدمة التي تنافس بها السلاح الأمريكي، واستطاعت أن تبرم صفقات ضخمة لتوريد السلاح إلى أكثر من دولة عربية، وبجانب صادرات السلاح دخلت روسيا في مشروعات إنتاج الطاقة النووية كذلك.

وفي الوقت الذي خسرت فيه أمريكا مناطق كثيرة في العالم العربي بدءاً بالعراق وانتهاء بفلسطين، فإن الدور الأمريكي تراجع كثيراً في العالم العربي أمام مشروعات قدمتها أمريكا لإسرائيل، ومنها تقديم القدس والجولان هدية للعدو الإسرائيلي، وتهميش القضية الفلسطينية بل إن الدور الأمريكي غاب تماماً في أزمات كثيرة في المنطقة وكانت أمريكا سبباً في زيادة النفوذ الإيراني على حساب الشعوب العربية.

إن الشيء المؤكد أن روسيا قد حققت إنجازات كبيرة في علاقاتها بالدول العربية في السنوات الماضية، فقد حاربت في سوريا وقدمت السلاح الحديث المتطور للدول العربية، وتربطها علاقات خاصة مع تركيا وإيران رغم تضارب المصالح.

لا أحد يعرف مستقبل حدود التمدد الروسي في العالم في السنوات القادمة أمام تراجع الدور الأمريكي، خاصة أن الصين لن تكتفي بدورها الاقتصادي ولكنها سوف تسعى لاحتلال مكانة سياسية تتناسب مع حجم التنين الصيني الذي يبتلع الآن اقتصاديات الدول الصغيرة.

نحن الآن أمام واقع سياسي واقتصادي وجغرافي جديد، نكتشف به أن أمريكا لم تعد كما كانت، وأن الصين الآن تمثل واحدة من القوى العظمى وهذا يعني أن الحرب الباردة وصراع القوى في العالم لم ينته برحيل الاتحاد السوفييتي لأن أمريكا لم تعد أمريكا وروسيا كسبت أرضاً كثيرة في ظل التخبط الأمريكي وأن الصين تدق أبواب العالم بقوة وهذه كلها ملامح عصر جديد.
#بلا_حدود