الاثنين - 24 فبراير 2020
الاثنين - 24 فبراير 2020

كيف تمشي بلا قلق في هذا الكوكب؟

مالك العثامنة
إعلامي أردني مقيم في بلجيكا، متخصص في شؤون الشرق الأوسط والدراسات التحليلية والرصد الإعلامي. له مقالات في عدة صحف عربية، محلل سياسي على قنوات تلفزيونية ناطقة بالعربية
العنوان يحمل سؤالاً قد يكون افتراضياً وعبثياً لو تم طرحه قبل سنوات من الآن، لكنه اليوم يصبح سؤالاً في مكانه وزمانه بلا افتراضات، سؤالاً واقعياً أمام قلق يستحكم فينا نحن بني البشر في كل زوايا هذا الكوكب، ونحن نقصي بعضنا البعض حكماً بالإعدام موتاً، فقط لأننا مختلفون!

في مدينة «غنت» التي أعيش بها، والتي تقع شمال غرب بلجيكا، معلم تاريخي حي، وهو سوق الجمعة الذي لم يتوقف منذ أكثر من 200 سنة، وهو سوق مفتوح يقام كل أسبوع في كل الفصول.

قبل سنتين، كنت أتجول في السوق، لأرى الناس منزعجين من بائع عربي مسلم بلحية كثة وهو يعرض بضاعته وقد شغّل بصوت عالٍ ومرتفع تسجيلاً للقرآن على سماعات نصبها حول بسطته.


اقتربت منه بعد تردد، وسألته بالعربية عن هدفه من ذلك، فابتسم وقال لي: لعل الله يهديهم إلى الحق.

طبعاً اعترضت على سلوكه وأوضحت له أن استخدام المكبرات لأي تسجيل صوتي ممنوع بحكم القانون، فلم يعجبه كلامي، لكن البوليس المحلي أنقذ الموقف وأجبره على وقف «دفقه الإيماني».

بين الناس، كان هناك قلة من رواد السوق شباب بلجيكيون من العرق الفلمنكي الأبيض، واضح من الوشوم التي زينوا بها أجسادهم أنهم متعصبون لعرقهم وجنسهم، كنت أراهم يتجمعون بعد حادثة السوق تلك في حانات قريبة يراقبون الرجل العربي، ويتهامسون بملامح غضب واضحة.

لقد قدّم لهم الرجل ما يروي لهم تعصبهم الأعمى، من خلال تعصبه الأعمى نفسه.

وحتى سنوات مضت، كان المتطرفون البيض، والذين تسميهم الصحافة بالنازيين الجدد تحقيراً لهم، ليسوا أكثر من حثالات لا ينتبه إليها أحد من الأوروبيين، لقد كانت القيم الأوروبية تعيش أوج مجدها منتصرة بالقيم الإنسانية التي وحدت أوروبا القارة.

وكان لهؤلاء المتعصبين حاناتهم الخاصة والمعزولة، ولم يكن لهم مكان محترم في المساحات الاجتماعية المحلية في أوروبا.

القيم الإنسانية الأوروبية طبقت مفاهيمها على أوسع نطاق حين استقبلت وعلى مدى عقود طويلة (حتى قبل الأزمة السورية)، لاجئين إلى القارة هرباً من البطش والحروب والاستبداد.

فأتى القادمون الجدد بحثاً عن الأمن والأمان، لكن من بينهم من حمل معه تعصبه وشذوذه الفكري والديني، مؤمناً بأنه من «الفئة الناجية» دون باقي البشر.

إن هؤلاء بسلوكياتهم وتصرفاتهم وسّعوا دائرة قبول المتعصبين البيض ضمن محيطهم الاجتماعي والسياسي؛ صارت للنازيين الجدد منابر وأصوات عالية، بل ومسموعة، وصارت لهم أحزاب تنافس في الانتخابات، وهذا يعني قبولاً مجتمعياً ولو بمساحات ضيقة في الحياة السياسية.
#بلا_حدود