الخميس - 20 فبراير 2020
الخميس - 20 فبراير 2020

فكر القادة.. وكتابة التاريخ

د. عائشة الدرمكي
أكاديمية من سلطنة عمان، متخصصة في سيميائيات اللغة، لها مجموعة من المؤلفات في التراث وسيميائيات النص، تنشر مقالات في مجلات ثقافية عربية متعددة.
(إن كل شكل من أشكال التاريخ الجديد هو محاولة لإنشاء تاريخ كلي)؛ بهذا يبدأ جاك لوجوف حديثه عن (التاريخ الجديد)، الذي يؤسس الديموغرافيا التاريخية، والتي يعتقد أنها تبدأ من إبداع الإنسان، وقدرته على فتح آفاق ومجالات جديدة يؤرخ بها تاريخه جغرافياً.

إنها محاولة لكتابة تاريخ كلي يفسر تاريخ المجتمعات في عصر معين انطلاقاً من فكرة (التاريخ الاجتماعي) الذي يشمل التاريخ السياسي والاقتصادي والديني وغيره، وإن (التاريخ الجديد) الذي يدعو إليه لوجوف يعتمد على (التجذر)؛ أي البدء بالمنشأ والجذور التي بدأ منها التاريخ الجغرافي، ولهذا فإن كتابة التاريخ الجديد لا تقوم على الوثائق المكتوبة وحسب بل على التاريخ الشفوي سواء كُتب في فترة زمنية معينة أي (النمط التاريخي المكتوب)، أو بقي ذاكرة حتى فترة كتابته وهو (النمط الذاكرتي)، وهذا يعني أن التاريخ الجديد هو إعادة الكتابة من وجهة نظر جغرافية اجتماعية.

ولعلنا عندما نتحدث عن (الذاكرة)، فإن أول ما قد يشغلنا هو (الذاكرة الجمعية) باعتبارها الأساس الذي ننطلق منه لتدوين التاريخ الجديد، إلا أن هناك دوماً ذاكرة ذات منشأ سياسي؛ لأنها تتعلق بفكر القادة الحكام الذين أسسوا دولاً حضارية، والحال أن ذاكرة هؤلاء القادة هي إرث ثقافي تاريخي لأوطانهم وللأمة التي ينتمون إليها، لأن لهم ذاكرة تروي تاريخاً جديداً متعلقاً بجغرافيا اجتماعية تحمل هُوية ذات بُعد حضاري.


ولهذا فإن قادة دول مجلس التعاون الذين أسسوا هذه المنظومة المجتمعية التاريخية كانوا يحملون – رحمة الله عليهم جميعاً – ذاكرة جغرافية لهذه الأوطان، لأنهم أعادوا كتابة التاريخ الحديث لهذه المنطقة ضمن عمليات دينامية وظيفية حضارية، ولعل السلطان قابوس بن سعيد – رحمه الله وغفر له – كان ممن أسس لتاريخ جديد لسلطنة عمان قائم على مجموعة من الركائز الجغرافية والاجتماعية والثقافية وغيرها من تلك الركائز التي تؤمِّن إعادة كتابة التاريخ.

والحق أن السلطان قابوس كان ذاكرة تاريخية ليس لسلطنة عمان وحسب بل للمنطقة كلها، لأنه شهد وعاصر العديد من الأحداث التاريخية المؤثرة في منطقة الخليج والعالم العربي والعالمي.

إنها ذاكرة تاريخية تؤسس لتاريخ جديد طالما نادى به وطالما خطب في الناس (أن التاريخ الذي كُتب منذ قرون مضت، فيه أحياناً الكثير من التهويل وكثير من التحريف وكثير مما كتب بأهواء، أكانت أهواء سياسية أو أهواء أخرى..).
#بلا_حدود