الجمعة - 18 يونيو 2021
الجمعة - 18 يونيو 2021

العربية.. وهيمنة الآخرين

د. انتصار البناء
كاتبة وناقدة بحرينية، حاصلة على الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث، لها عدة مقالات ودراسات في النقد الأدبي والثقافي والتحليل السياسي في عدة صحف ودوريات عربية
برزت في الأيام القليلة الماضية ظاهرة الاستخدام اللغوي (المزدوج) في الرسائل السياسية في المنطقة، فغرد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالفارسية موجهاً خطابه للشعب الإيراني، وخطبت زينب سليماني باللغة العربية في إحدى تجمعات تشييع والدها قاسم سليماني، كما ألقى المرشد الأعلى للثورة الإيرانية خطبة الجمعة السابقة باللغة العربية، هذه الظاهرة تعيد اللغة إلى واجهة الصراع باعتبارها أداة تواصل وتأثير سياسي.

إذا تساءلنا عن غايات استخدام لغة الآخر في المخاطبة؛ فإن الإجابة التقليدية ستكون من أجل الإبلاغ السريع والتأثير المباشر، ممثلاً في تغريدات ترامب، أما في خطب زينب سليماني وخامنئي فإن الأمر يتجاوز تلك الغايات، ويحتاج تعليل استخدام العربية إلى تحليل فحوى الخطابين الإيرانيَين.

حمّلت زينب سليماني العرب جمائل نضال والدها الذي ضحى بحياته من أجلهم، وأضافت أن دماءه التي سفكت في (بغداد) ستقود الطريق إلى (القدس)، ثم طالبت بالثأر لمقتله، أما خامنئي فقد عرض خطورة المشروع الأمريكي - الصهيوني في المنطقة الذي يستهدف استنزاف اقتصاد المنطقة وإبادة شعوبها، ثم أكد على تفاصيل الحل، الذي تكرره الجمهورية الإسلامية، متمثلاً في (الوحدة الإسلامية).


بالتالي فإن كلا الخطابين الإيرانيين - العربيين، يعول على المحمولات (الأيديولوجية) للغة، باعتبار أن العربية هي لغة القرآن الذي يُجمع عليه المسلمون.

وبالتالي، يصبح الخطاب باللغة العربية إظهاراً لجانب من الهوية المشتركة، وإعادة تأويل لهوية جامعة في هذه المنطقة تستدعي توحداً وتنسيقاً علمياً وفقهياً واقتصادياً في مواجهة الأعداء الخارجيين المشتركين، كما أشار خامنئي في خطبته.

وعلى الرغم من اعترافنا بهوية مشتركة لهذه المنطقة، إلا أن الساسة الإيرانيين لم يدركوا أن العرب وخصوصاً الشعوب العربية بعد كل هذه النكبات، بدأوا يفكرون في مشاريع سياسية تتجاوز أزمة الهوية التي تجلت في القرن الأخير على صورة هويات فرعية (سنية، شيعية، سلفية، صوفية، درزية، علوية، كردية، أمازيغية)، فضلاً عما تكشف من تجاذبات خارجية تؤثر على الهويات الفرعية، كتأثير مركزية ولاية الفقيه على كثير من الشيعة العرب، وتأثير مرشد الإخوان على بعض الكيانات السياسية السنية.

لذلك، فإن المشروع العربي النهضوي القادم هو مشروع استقلال عن هيمنة الآخرين، حتى لو قاسمونا ملامح الهوية مثل جيراننا الإيرانيين والأتراك، وما دامت اللغة العربية لم تنجح في خلق مشروع سياسي موحد بين العرب، فلن يتمكن الإيرانيون من استحداث هذا المشروع في وقت يصول فيه الجنرالات الإيرانيون والأتراك ويجولون في الأراضي العربية بصفة المحتلين.
#بلا_حدود