الثلاثاء - 18 فبراير 2020
الثلاثاء - 18 فبراير 2020

اليسار الإسباني.. والدعوة للتفرقة

تم انتخاب الاشتراكي بيدرو سانشيز رئيساً للحكومة الإسبانية بحصوله على 167 صوتاً مقابل 165 وامتناع 18 عن التصويت، وللفوز بهذه الأغلبية وقّع بيدرو على معاهدة مع حزب الوطنيين الكتلان والباسك، تم بموجبها الاتفاق على إعادة النظر في مسألة الحوكمة السياسية في إسبانيا بالانتصار لمختلف الهويات الوطنية ديمقراطياً، وبذلك أعلن تمسّكه بالحكومتين معاً: الحكومة الكتالانية والحكومة الإسبانية، مع إدانته لتوظيف القانون في السياسة.

لم يكن لكلمة دستور أيّ حضور في هذه المعاهدة، إذ وقع تعويضها بصيغة «النظام القانوني الديمقراطي» لتسهيل الحوار حول مشروع جديد يتعلق بالاستقلال الذاتي لمنطقة الباسك.

انشغل كثير من الباحثين بالدعوة القوية لليسار الإسباني للاعتراف بالهوّيات الترابية، وهذا ما أكّد عليه الحزب الاشتراكي العمالي وحزب بديموس اللذان وضعا مقترحاً مشتركاً ينص على التخلي عن قانون التضامن الترابي، الذي اعتبروه خدعة من طرف الليبيرالية العولمية للقضاء على الهويّات المحلّية.


تقوم أطروحة اليسار الإسباني على اعتبار إسبانيا دولة وطنية متعدّدة، ليست حكراً على هويّة واحدة، لذلك تم التذكير بدستور 1978 الذي كان محط نقاش وتوافق مختلف الفرقاء السياسيين وهيئة المجتمع المدني، وقد جاء هذا الدستور لوقف النزيف الداخلي الذي سبّبته الحروب الأهلية وأوتوقراطية فرانكو المتشدّدة التي نعتت بالفرنكية المظلمة.

يعود تاريخ هذا النزيف إلى الفترة بين 1812 و1932، وقد شهد الإطاحة بـ4 ملكات وملكٍ وكثير من الانقلابات من داخل الدولة.

و من أجل ذلك ذكّر اليسار الإسباني بهذا التاريخ وبأهمية توافقات دستور 1978 التي مهّدت لاستقرار سياسي وإقلاع اقتصادي جعل من إسبانيا دولة ذات وزن هام في أوروبا. لكن، ما حصل أخيراً ـ تدخل الدولة بالقمع لإلغاء النتائج الانتخابية القاضية بالاستقلال الذاتي للكتلان، حسب اليسار ــ يؤشّر إلى العودة التاريخية للحروب الأهلية، لأن الدولة لم تلتزم بشرط الحوار إلى أبعد حدوده، ولم تُرد أن تراعي الخصوصيات الإثنية والترابية التي كانت تاريخياً إمّا مصدر تقدّم واستقرار أو مصدر فتن وتأخّر.

وعليه، لا يضير اليسار الإسباني أن يكون هناك شبه انقسام وطني على المستوى الترابي، إن كان ذلك يخدم الديمقراطية واستقرار إسبانيا وتقدّمها الاقتصادي.

إن الاتفاق الذي تم توقيعه من طرف الحزب الاشتراكي العمالي والحزب الانفصالي الكتالاني، قد أثار حفيظة المعارضة وبعض الأصوات اليسارية لأن بيدرو سانشيز، في رأي هؤلاء، قد انقلب على المشروع الانتخابي الذي صوّت عليه النّاخبون، حيث إن تحالفه مع الانفصاليين، في اعتقادهم، مخاطرة سياسية لا تحمد عقباها ولها نتائج أفظع ممّا حدث عقب الإعلان الانفصالي للبرلمانيين الكتالانيين سنة 2017.

ولذلك شدّدت المعارضة اليوم على خطاب الوحدة الوطنية، وعلى الديمقراطية التشاركية التي تعتبر الاختلافات الترابية والعرقية مصدر قوة وثراء بالنسبة لإسبانيا، وليس سبباً في الفرقة والتموقعات السياسية الفجّة.
#بلا_حدود