الثلاثاء - 15 يونيو 2021
الثلاثاء - 15 يونيو 2021

الرئيس «موي» وإرثه في كينيا

مارك لافيرني
كبير زملاء البحث في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، محلل أمني سياسي لقضايا الشرق الأوسط.
أثار الإعلان عن وفاة الرئيس الكيني الأسبق دانييل آراب موي، بعض الذكريات الشخصية القديمة عندي، التي أرى أن سردها ومشاركتها مع القراء ربما يكون ذلك مفيداً.

ففي اليوم الأول من شهر أغسطس 1982، كنت قد وصلت لتوّي إلى كينيا في طريقي إلى تنزانيا لإعداد تقرير عن «الاشتراكية في أفريقيا»، وكنت قد صحوت من نومي على وقع أصوات صراخ قوية مختلطة مع صوت موسيقى عسكرية تأتي من الشارع.. غامرت بالخروج من فندقي الصغير لأجد نفسي وقد نجوت لتوي من طلقات الرصاص الصادرة من بنادق يحملها جنود يحتلون الشارع.

لقد علمت أن الرئيس «آراب موي» الذي تسلم السلطة منذ عام 1978 قد تم اعتقاله وإيداعه السجن من طرف فصيل من ضباط القوات الجوية الكينية، وفي الوقت الذي تدفق فيه ألوف التلاميذ إلى شوارع العاصمة نيروبي للتعبير عن فرحهم بهذا الحدث، استغل اللصوص الفرصة وراحوا يسرقون محتويات الدكاكين المنتشرة على جوانب الشوارع، التي يمتلكها أبناء الجالية الهندية.


وسرعان ما تبيّن الجميع أن القطاعات العسكرية الموالية للرئيس «موي» تمكنت من استعادة السيطرة على الوضع، وقام الجنود بقتل مئات المتظاهرين الذين ملأوا الشوارع وراحوا يطاردون أفراد قبيلة «ليو» التي تُعدّ الثانية من حيث الأهمية في كينيا.

حاول أفراد القبيلة النجاة من مذبحة حتمية، ولكنهم وجدوا الحدود كلها مغلقة في وجوههم.. واصلت هروبي حتى وجدت نفسي في مدينة «جاريسا» البعيدة، والتي تقع على الحدود الصومالية الكينية، وكان المكان محاطاً بمقاتلي عصابات «الشيفتا» الصومالية التي تضم مجموعة من المهرّبين والقتلة وقُطّاع الطرق، ووجدت نفسي عالقاً هناك حتى تمكنت طائرة صغيرة متخصصة بنقل المخدرات في الصومال من إنقاذي.

وبعد أن نجا الرئيس دانييل آراب موي من محاولة الانقلاب، عاد إلى حكم البلاد من جديد خلال السنوات الـ20 التالية، وفي عام 2002.

كنت مدعواً للمشاركة في مؤتمر حول الجريمة في أفريقيا في بلدة تدعى «نايفاشا»، وحاولت خلاله تقديم توضيح يتعلق بالحقيقة الغريبة التي تجعل من مدينتي القاهرة والخرطوم اللتين تضمّان غالبية من السكان الفقراء والمحرومين، من أكثر المدن أمناً في أفريقيا في وقت كانت فيه مدن غنية مثل جوهانسبورغ ولاغوس ونيروبي تسجل أعلى معدلات الجريمة في أفريقيا.

وبالرغم من أن نيروبي كانت مقراً للعديد من المنظمات الدولية مثل «برنامج الأمم المتحدة للبيئة» وتستضيف عدداً كبيراً من الشركات الأجنبية، إلا أن التجول في شوارعها أثناء الليل يُعتبر مغامرة غير محمودة العواقب، وعادة ما تكون البيوت هناك محاطة بالأسلاك الشائكة ويجوبها الحراس وكلاب الحراسة.

وعلى مشارف نيروبي، تقع أضخم المجمعات السكنية للأحياء الفقيرة في العالم فيما يقع مخيم «داداب» للاجئين على الحدود مع الصومال ويضم 500 ألف ساكن.

والتاريخ هو أفضل قاضٍ، وهو الذي يخبرنا عن حقائق ما يخلفه لنا أولئك الذين يحكمون البلاد لفترة طويلة.
#بلا_حدود