الأربعاء - 01 أبريل 2020
الأربعاء - 01 أبريل 2020

أحداث جسيمة.. وتفكير أساطيري

د. انتصار البناء
كاتبة وناقدة بحرينية، حاصلة على الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث، لها عدة مقالات ودراسات في النقد الأدبي والثقافي والتحليل السياسي في عدة صحف ودوريات عربية
حاولت تتبع الآراء الشعبية حول حدثين كبيرين عصفا بالعالم مع بداية عام 2020، الحدث الأول: حرائق أستراليا التي قضت على مساحات شاسعة من الغابات الطبيعية، وأبادت مليارات الحيوانات النادرة التي لا تعيش إلا في أستراليا، والحدث الثاني: تفشي فيروس كورونا الذي صار يشبه طاعون العصور الوسطى في فتكه، وبطبيعة الحال تتبّع البعض الأسباب (العلمية) التي أنتجت كلا الحدثين، ولكنني صُدمت لتداول تفسيرات أسطورية لا علاقة لها بالواقع، وما زاد صدمتي أن بعض مروجي تلك التفسيرات يحمل شهادة الدكتوراه!

لم يتمكن الغرب من ولوج ثوراته العلمية إلا بعد أن خاض حرباً ضروساً ضد الأفكار الأسطورية وتمثلاتها في الثقافة الشعبية، والتفسيرات البشرية للأديان، فقدم في سبيل ذلك تضحيات جساماً ومواجهات عنيفة مع السياسة الحاكمة ومع رجال الكنيسة، إلى أن تم التمكّن من تثبيت قوانين العلم.. قوانين حاكمة لحركة الكون، مع التأكيد على ضرورة تقصي البحث خلف الظواهر لتفسيرها ومن ثم معالجتها، وكانت أولى المواجهات في مجال الفلك وتفسير حركة الأجرام السماوية وتأثيرها على الطبيعة في الأرض والبشر.

بذلك فقط، تمكن الغرب من كشف أسباب كثير من الأمراض التي تُعزى لأسباب أسطورية كالسحر أو وجود أرواح شريرة أو غضب الرب، وتمكن أيضاً من تحدي الطبيعة بالتنبؤ بالأحوال الجوية والزلازل وبشق الجبال وحفر الأنفاق وسبر أعماق البحار واختراق الفضاء.


والذين تداولوا وروجوا لفكرة أن فيروس كورونا هو انتقام إلهي لمسلمي الصين تجاهلوا معاناة ملايين المسلمين عبر التاريخ في مناطق كثيرة من العالم، لم يحل على أعدائهم الغضب. إنهم يوقعون أنفسهم في التناقض حين يكون مضطهد المسلمين مسلماً هو الآخر! والذين نقبوا في كتب الأحاديث والسيرة النبوية عن تفسيرات للحرائق وعلاقتها ببعض الحيوانات يريدون القول: «إننا نملك تفسيرات ما حدث سابقاً وما يحدث الآن وما سيحدث مستقبلاً»، ولكنهم لن يجيبوا على سؤال: إذا كنا نمتلك الحقائق والتفسيرات الكونية، فلماذا تقدم الغرب وتأخرنا نحن؟

إن الإيمان بالعلم وقوته لا يجب أن يدخل في صراع مفتعل مع بعض القناعات غير الصحيحة وغير القابلة للتأكيد أو التجريب، خصوصاً في هذا الزمن الذي تجاوزت فيه البشرية قيودها الفكرية القديمة وانطلقت بكل سرعة نحو تحقيق مصالحها وإسعاد البشرية.

وللعلم، فإن غالبية من روجوا للتفسيرات الأسطورية للحَدثين السابقين، قاموا بذلك عبر شبكات التواصل الاجتماعي التي تمثل الثورة العلمية الرابعة، وعبر أجهزة «هواوي» صينية الاختراع، أو عبر هواتف الآيفون صينية التجميع والتصنيع.
#بلا_حدود