الاثنين - 30 مارس 2020
الاثنين - 30 مارس 2020

تونس.. الحكومة وفقر البرامج

عبدالجليل معالي
كاتب صحفي تونسي. حاصل على شهادة الأستاذية في التاريخ. صحفي في جريدة العرب الدولية منذ أكتوبر 2012. له كتابات في مجلة الهلال، وجريدة الأهرام، ونشرية مقاليد، فضلاً عن كتابات في صحف تونسية عدة.
الوضعيات السياسية التي رافقت مسار تشكيل الحكومة التونسية كانت معبرة أكثر من الحكومة نفسها، وأكثر من الشخصيات التي ضمتها، والأحزاب التي تتكئ عليها.. توجس عميق من إعادة إنتاج السيناريو الذي سقطت فيه حكومة الحبيب الجملي، حتّم على كل الفاعلين خوض المناورات بحذر سياسي قوامه تجنب فشل الحكومة الجديدة في نيل ثقة البرلمان، فشل سيكون أكثر خطورة على كل الفاعلين السياسيين هذه المرة، لأنه سيعني حل البرلمان وإعادة الانتخابات، بما يعني أيضاً اختباراً جديداً بمعايير أكثر عسراً من انتخابات أكتوبر الماضي.

والملاحظة الأولى التي طبعت الأسابيع السياسية الماضية في تونس، هي أن مسارات تشكيل الحكومة التونسية مرت بكل الدروب الممكنة، من مشاورات ولقاءات وضغوط ومقايضات وبحث عن تحسين شروط التفاوض، ومحاولة فرض أسماء أو أحزاب، لكن الدرب الوحيد المفقود كان درب البرامج.

عندما تتقدمُ الأسماء على البرامج، وعندما يُصوّبُ التركيز على تمثيلية الأحزاب قبل إيلاء المشاكل التي تزداد تراكماً، فإن الأمر لا يعدو أن يكون إلا ضرباً من «الطائفية» السياسية المستشرية والتي يعبر عنها في تونس، تفاؤلاً، بالمحاصصة.


والملاحظة الثانية، هي أن بعض الأحزاب، وفي صدارتها حركة النهضة، خيّرت لترحيل الأزمة إلى ما بعد نيل الحكومة ثقة البرلمان، والهدف ضرب عصفورين بحجر واحد؛ تجنب سيناريو حل البرلمان في حال سقوط الحكومة، و«الانفراد» بالحكومة بعد ذلك، لذلك نفهم تأكيد راشد الغنوشي على أن حركته «ستمنح الثقة لحكومة إلياس الفخفاخ في كل الأحوال»، وهو تصريح أجمعت كل القراءات على أنه يعني تأجيل المعركة إلى ما بعد البرلمان.

الملاحظة الثالثة متصلة بالآجال الدستورية، فسواءٌ الفخفاخ نفسه أو الأحزاب السياسية، وكل طرف يقرأ موعد 20 فبراير وفق حساباته، هي ضغط دفع الرئيس قيس سعيّد للقاء الفخفاخ الخميس الماضي لحثه على الإسراع في تقديم حكومته للبرلمان.

إن تركيب أجزاء المشهد السياسي الراهن، بالتركيز على الأسماء وإهمال البرامج، مع سعي النهضة خاصة إلى تأجيل البدء في سحب البساط من تحت الفخفاخ بعد أن راوغ شروطها، إلى ما بعد حصول حكومته على ثقة البرلمان، إضافة إلى العنصر الثالث القائم على مسألة الآجال الدستورية، هي عناصر تُكوّن متضافرة مشهداً تونسياً لا يَعدُ التونسيين بمنجز حقيقي على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي.

والمفارقة المثيرة في هذا الباب هي أن مُكونات المعارضة تشكلت قبل تشكيل الحكومة، وفي مشهد من هذا القبيل تتحول الحكومة إلى غاية بذاتها، لا إلى أداة تنفيذية لتدبر الحلول للمشاكل المتراكمة.
#بلا_حدود