الاحد - 05 يوليو 2020
الاحد - 05 يوليو 2020

كورونا.. سياسة احتواء الصين

ساتوشي إيكوتشي
أستاذ في جامعة طوكيو، مفكر وأستاذ قسم الأديان والأمن العالمي في مركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا المتقدمة (RCAST) ـ جامعة طوكيو. يشمل تخصصه السياسات الإسلامية والسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط والعلاقات الدولية بين آسيا والشرق الأوسط.
ربما كانت الظاهرة الأكثر بروزاً في السياسة الدولية خلال النصف الأول من القرن الراهن تكمن في التنافس بين الولايات المتحدة والصين، وكان التساؤل حول الطريقة التي ستتبعها الولايات المتحدة لاحتواء الصين المتنامية بسرعة، يمثل النقطة الأساسية في الموضوع، وبعد ذلك وبشكل فاجأ الجميع، تمت واقعة الاحتواء بطريقة لم يتوقعها أحد.

هذه المرة، لم يكن هناك من داعٍ لاستخدام ما ورد في مقال «خطاب الستارة الحديدية» للسير ونستون تشرشل، ولا للمقالات النارية التي كتبها جورج كينان، ولا لنظام الرئيس القوي هاري ترومان، لتحقيق هذا الاحتواء، إنما كان جيل جديد متحوّر وراثياً من فيروس تافه صغير يدعى كورونا كافياً لتحقيق ذلك، والآن تحاول الصين بنفسها وبجهد جهيد أن تحتوي نفسها وأن تمنع الفيروس من الانتشار حول العالم.

إن اعتماد الصين لإجراءات إغلاق المدن والأقاليم الكبرى بالتزامن مع الإسراع في فرض الحجر والعزل الصحيين على نطاق واسع، جعلها بشكل مؤقت في وضع غير مسبوق من العزلة عن العالم الخارجي، وعلى النحو الذي لا يمكن لأي عقوبات اقتصادية مفروضة من الولايات المتحدة أو من الأمم المتحدة أن تفعله.


وبالطبع، فإن اليابان تنشُد التعاون مع الصين في مساعيها لاحتواء نفسها، ونحن على أهبة الاستعداد لمدّ يد العون عندما تحتاجنا جارتنا، وهذا جزء من ثقافتنا، حيث سبق لليابان أن مدّت يد العون للصين مرات عديدة في الماضي وخلال ظروف من المتاعب مرت بها بالرغم من أن طريقة تذكر الصينيين لنتائج تلك المساعدات اليابانية لم تكن جيدة في كل الأحوال.

وحتى عندما تؤول هذه المصيبة التي حلّت بالصين إلى نهايتها المنتظرة، فإنها لن تعود إلى ما كانت عليه على الإطلاق.

وبمجرّد ظهور البوادر الأولى للأزمة، كانت سرعة ومدى استجابة الحكومة الصينية لها تأخذ بالألباب، فلقد سارعت إلى إغلاق المدن والأقاليم الموبوءة وأنشأت عدداً ضخماً من بيوت العزل والإيواء خلال فترة لا تتجاوز الأسبوعين.

ولقد ظهرت بوضوح كفاءة الحكومة الصينية غير الديمقراطية في التعامل مع الحالات الطارئة، إلا أن حالة الطوارئ كانت لها خصوصياتها هذه المرة، فلقد كان انتشار الوباء في البداية معروفاً لدى قِلّة من سياسيي النخبة وصنّاع القرار، وبقي هذا السر الخطيرخافياً لأطول فترة ممكنة حتى عرف به العالم أجمع عندما تمكن من التسلل إلى خارج أركان سور الصمت العظيم.

ومن المعروف أن الناس لا يقولون الحقيقة في وجه الحاكم، وهذا ما يجعل الدولة تبدو قوية ومتماسكة ولكنها تكون في الواقع معرّضة للانهيار في النهاية، ويتداول الصينيون قولاً مأثوراً يمكن ترجمته على النحو التالي: «عندما تأتي السياسة من الأعلى، تكون هناك تدابير مضادة من الأسفل».

وعلى كل حال، وبقدر ما تبدو سياسة الحكومة عنيفة، فإن المواطنين يلجؤون للخداع الصامت والسريع حتى يتمكنوا من تجنب التداعيات السيئة لتلك السياسة.
#بلا_حدود