الاثنين - 10 أغسطس 2020
الاثنين - 10 أغسطس 2020

ثقافة «الكمامات» في زمن كورونا

ساتوشي إيكوتشي
أستاذ في جامعة طوكيو، مفكر وأستاذ قسم الأديان والأمن العالمي في مركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا المتقدمة (RCAST) ـ جامعة طوكيو. يشمل تخصصه السياسات الإسلامية والسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط والعلاقات الدولية بين آسيا والشرق الأوسط.
ما من أحد على الإطلاق يعلم متى ستنتهي محنة فيروس كورونا، وكل ما نعرفه عن هذه الأزمة، حتى الآن، هو أن ثقافة المجتمع العالمي سوف يطرأ عليها تغيّر لا يقبل العودة إلى الوراء، بعد انحسار الوباء، وسوف نسمع كثيراً عن عصر ما قبل كورونا (BC) وما بعد كورونا (ِAC)، وهذا دليل على أن العالم سيصبح مختلفاً تماماً بسبب هذا الفيروس.

ونحن نشهد الآن بالفعل بعض مظاهر هذا التغير، وبسبب الفيروس، انتقلت عادة ارتداء كمامات الجرّاحين المعروفة في أوساط شعوب شرق آسيا، منذ زمن طويل، إلى أوروبا وأمريكا، ثم إلى منطقة الشرق الأوسط، وهذا بحد ذاته يمثل تحولاً كبيراً في ثقافات هذه الشعوب، بعد أن كانت تمتنع عن ارتداء الكمامات.

وكان ارتداء كمامات الجرّاحين خلال ممارسة النشاطات اليومية العادية، يبدو في نظر الغربيين أحد السلوكيات الغريبة والعجيبة لشعوب شرق آسيا، وخاصة في اليابان.


ولارتداء الكمامات تاريخ طويل في شرق آسيا، حيث يعود إلى زمن انتشار مرض السل أو الدرن قبل نحو قرن، عندما كانت كمامات الجرّاحين تشكل أداة فعالة لمنع العدوى عن طريق الرذاذ الملوث.

ومع ظهور الموجات الجديدة من أنواع الإنفلونزا وفيروساتها، وانتشار ثقافة النظافة في زوايا المجتمع وأطرافه كافة، تعلم الشعب الياباني وشعوب دول شرق آسيا كلها أهمية ارتداء الكمامات.

وفي الوقت الراهن، انتشر استخدام الكمامات بشكل أوسع، من أجل تجنب الإصابة بـ«حمى القَشّ» التي تسببها الحساسية الناتجة عن استنشاق الأنواع المختلفة من حبوب الطلع.

وفي الشرق الأوسط، وتأثراً بالرؤية التي كانت سائدة في الغرب، بقي ارتداء الكمامات لزمن طويل يُعدّ من العادات الغريبة والعجيبة لشعوب شرق آسيا، لأنها تحرم الناس من فهم التعابير المرئية أثناء التقائهم ببعضهم البعض، لأن الكمامات تخفي تعابير الوجه وقسماته.

وكان يبدو من الغريب بالنسبة للسيّاح والزوّار من مواطني شرق آسيا، أن يروا العدد القليل جداً من الناس في القاهرة وهم يرتدون الكمامات، حتى عندما يكونون معرضين للغبار وتلوث الهواء، وغالباً ما يكون المسافرون أو الوافدون من شرق آسيا عرضة للسخرية والتهكم في شوارع مدن الشرق الأوسط عندما يرتدونها.

والآن، تتسارع التقارير الإخبارية الآتية من دول المنطقة، لتُجمع كلها على أن الناس يتسابقون إلى الدكاكين لشرائها، ويمكن القول: إن ثقافة عالمية جديدة لارتداء الكمامات بدأت بالظهور والانتشار.

وربما يدفعنا هذا الجدل المتعلق بارتداء الكمامات لإعادة النظر في المواقف المعارضة لارتداء الحجاب عند النساء المسلمات المقيمات في أوروبا، وكثيراً ما كان يُقال: إن إخفاء الوجه يجعل من الصعب التعرّف على التعابير والأحاسيس التي تشعر بها النساء، وهي من الظواهر المهمة والأساسية في نظام القيم الغربية، والآن، أصبح الأوروبيون يحرصون على إخفاء وجوههم بالكمامات الواقية.. فماذا يمكننا أن نقول عنهم، وما موقفهم الجديد من ارتداء النساء للحجاب؟
#بلا_حدود