الخميس - 02 أبريل 2020
الخميس - 02 أبريل 2020

إيطاليا الضحية.. والمنطق الأوروبي

د. واسيني الاعرج
أكاديمي وروائي مقيم بفرنسا، عمل في جامعة الجزائر المركزية، قبل أن يلتحق في 1994 بجامعة السوربون في باريس. يسهم بتحليلاته الثقافية والسياسية في صحف عربية كثيرة، حصل على جوائز مرموقة منها جائزة الشيخ زايد للآداب.
تعيش إيطاليا أحلك أيامها كلما تضاعف عدد الأموات، زاد الصوت الأوروبي خفوتاً، مخلفاً وراءه فراغاً مخيفاً وكأن الأمر يقع في قارة أخرى، حتى اللحظة هذه، تجاوز عدد الوفيات بسبب كورونا فيروس عتبة الأربعة آلاف، والسؤال الكبير: ماذا يعني تكتل كبير كالاتحاد الأوروبي خارج النظم العسكرية وسبل الهيمنة؟ وباء يأكل الأخضر واليابس وضع أوروبا كلها في دائرة الدول العاجزة عن حماية مواطنيها صحياً، لا واقيات كافية، لا أجهزة التنفس الاصطناعي، لا مستشفيات قادرة على استيعاب المرضى؟

وفي الوقت الذي تمَّ فيه تحجيم القطاع العام في كل المجالات الاستراتيجية، لا خطة أوروبية مشتركة لمواجهة وباء يسير بخطى حثيثة نحو اجتياح القارة كلها، لم تحرك لا دولة شقيقة أو صديقة إصبعها الصغير لمساعدة إيطاليا في مأساتها، عندما كان الفيروس في بداياته يأكل الصين وإيران، ظهرت خطابات أوروبية تكاد تكون عنصرية.

ولو كانت هناك قراءة حقيقية لحركة الضرر لاستعدت أوروبا في وقت مبكر لمواجهة ما كان يرتسم في الأفق، فالعالم الذي كان دولاً مستقلة، حولته الأسواق العالمية الحرة إلى قرية صغيرة، ونسوا أنها صغيرة أيضاً في الأمراض، الفيروس لم ينتظر إذناً، كان قد ارتحل مع البشر، ومع السلع، وفي الطائرات النفاثة العابرة للقارات، والهواتف الذكية والمطاعم، مع أن قليلاً من العقل كان يفرض على الجميع، النظر سلفاً للمسألة بوصفها مأساة عالمية تضع الإنسانية في حالة خطر قد يفني العنصر البشري، ولم تكن الصين إلا نموذجاً بشرياً تجريبياً حياً للعجز الإنساني، وبدل مد يد المساعدة للصين دفاعاً أيضاً عن الوجود والحدود الأوروبية أمام خطر داهم، راحوا يتشفون ببداية غرق التنين الصاعد بقوة، نسوا فجأة أن فيروس COVID-19 كان قد تخطى عتبات المنع، حط بإسبانيا وفرنسا وألمانيا، عموماً، وإيطاليا بشكل تراجيدي، وبدا كأن إيطاليا تحت غزو قاتل، وعليها أن تحمي نفسها بنفسها في غياب أي جهد تضامني خارجي.


كثيرون عاتبوا إيطاليا عندما وضعت الشمال كله، احترازياً، تحت الحجر من أجل السيطرة على انتشار الفيروس، كما سبق أن فعلت الصين في ووهان، ليتضح لاحقاً أن ذلك كان أفضل حل ممكن، للحفاظ على حياة الناس، والحد من انتشار الوباء.. إيطاليا اليوم ضحية المنطق الأوروبي كله، الذي فكر في الحروب، وفي القوة، والعودة إلى منطق الاستعمارات القديمة، فهل سيتعلم من هذا الدرس الصعب والقاسي؟

و لا تزال إيطاليا تواجه حتى اللحظة، قدراً صعباً وقاسياً يتجاوز إمكاناتها، فأن يموت 800 شخص في يوم واحد بسبب فيروس، هذا يعني أن الخلل الأوروبي كبير، بتجاوز إيطاليا عتبة آلاف الضحايا، والوباء لا يزال في بداياته يؤكد على شيء واحد، أنه على أوروبا التعيسة اليوم أن تعيد النظر في نفسها بنيوياً قبل أن يتبخر الحلم الأوروبي، لأن إعادة ترسيم الحدود الوطنية، مهما كانت الأسباب الصحية، ليس علامة خير!
#بلا_حدود