السبت - 30 مايو 2020
السبت - 30 مايو 2020

عادات متغيرة في زمن كورونا

ساتوشي إيكوتشي
أستاذ في جامعة طوكيو، مفكر وأستاذ قسم الأديان والأمن العالمي في مركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا المتقدمة (RCAST) ـ جامعة طوكيو. يشمل تخصصه السياسات الإسلامية والسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط والعلاقات الدولية بين آسيا والشرق الأوسط.
بعيداً عن الانتشار السريع لظاهرة ارتداء كمامات الجرّاحين، بدأت بعض العادات الجديدة تتجذّر في صلب المجتمعات الأوروبية بسبب وباء (كوفيد-19)، الذي راح يضرب بلدانها بمعدلات متزايدة.

وفي أواخر شهر فبراير وبداية شهر مارس، قصدت عدة مدن أوروبية، مثل: باريس وفيينا وبراغ للمشاركة في مؤتمرات وإلقاء المحاضرات، وكنت شاهداً على اللحظات المتوترة قبل وصول «العاصفة»، وبداية ظهور عادات وتقاليد جديدة لا قِبَل للأوروبيين بها.

وبدأ المثقفون الأوروبيون، الذين كانوا سبّاقين لتقدير مدى خطورة الموقف، بتجنّب مصافحة بعضهم بعضاً، وهي العادة التي تندرج في إطار آداب التحية الأوروبية المعتادة.


وأثناء حضوري لبعض المؤتمرات الدولية، تم الإعلان عن منع العناق وتبادل القبلات على الخدّين أثناء الوداع أو اللقاءات الحميمية.

وأرى من واجبي أن أعترف بأنني شعرت ببعض الارتياح بسبب رؤيتي لهذا التغيير، وهذه الطرق الأوروبية لتبادل التحية والتي تتطلب تلامس الأجساد، كانت في بعض الأحيان تصيبني بالخوف، لأنني نشأت في بيئة يابانية ذات ثقافة تقليدية، وحيث لا يكون هناك أية ضرورة اجتماعية للتلاقي الجسدي أثناء التحية.. فما الذي سيعوّض هذه العادات الأوروبية المتأصلة؟.

لقد رأينا مشاهد كوميدية لبعض قادة العالم، وهم يعبرون عن ترحيبهم ببعضهم البعض بالتضارب بمرفقي اليدين، إلا أن هذه العادة الجديدة كانت مؤقتة سرعان ما اختفت، لأنها لا تستند إلى أسس أو جذور ثقافية راسخة.

والآن، اختار بعض الأوروبيين تقليد الإيماءات والحركات، التي ترافق التحية الهندوسيّة والتي تدعى «ناماستي» Namaste والتي تتم بضغط الكفين المتقابلين للشخص الواحد على بعضعهما أمام الصدر، ويفضل البعض إضافة حركة هزّ الرأس، وحتى الانحناء إلى الأسفل والأعلى.

وتعتبر كل هذه الحركات والإيماءات طرقاً للتعبير عن التحية، والتي تتم ممارستها في بلدان ومناطق شاسعة في دول جنوب وشرق آسيا، ويبدو أن الأوروبيين هم الذين يتعين عليهم أن يعتادوا الآن على الثقافات الغريبة عنهم، وهذا يعني أن العصر الآسيوي قد حلّ الآن ولكن بطريقة لم تكن متوقعة على الإطلاق.

ويشعر الناس في الشرق الأوسط بالإحراج من حركة الانحناء، ويبدو لهم أن مما يثير السخرية بالنسبة لسكان شرق آسيا أنهم يتصرفون كالعبيد خلال الانحناء لسادتهم وأولياء نعمتهم، وهذا ما يرفضه المسلمون والمسيحيون على حد سواء في منطقة الشرق الأوسط.

ولقد حاولت في العديد من المرات أن أوضّح لأصدقائي في الشرق الأوسط أن الركوع والانحناء في اليابان لا يعتبر مؤشراً على الضعف أو الخضوع، بل هو تعبير عن الرغبة في تأكيد الاحترام للشخص المقابل، ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الناس في اليابان ينحنون لبعضهم البعض بشيء من الأنَفة ومن دون التنازل عن كبريائهم.

وينبغي حتى على إمبراطورات اليابان أن ينحنوا عندما يقابلون شخصاً عاديا للتعبير عن الألفة والاحترام، وبما يدل على أن الانحناء لا يُعدّ حَطّاً من كبرياء الإنسان أبداً.
#بلا_حدود