الثلاثاء - 26 مايو 2020
الثلاثاء - 26 مايو 2020

«البيجامة» في الطرف البلجيكي

مالك العثامنة
إعلامي أردني مقيم في بلجيكا، متخصص في شؤون الشرق الأوسط والدراسات التحليلية والرصد الإعلامي. له مقالات في عدة صحف عربية، محلل سياسي على قنوات تلفزيونية ناطقة بالعربية
بعد الانتهاء من هذه الجائحة الوبائية العالمية، ستكتشف أوروبا أنها ليست بخير، وأن الفيروس اللعين أصاب وحدتها وتضمانها بشكل سيء جدا.

هكذا يفكر الناس في أوروبا، ويحاولون تأجيل الحديث والجدل المتراكم بالأفكار الكثيرة إلى ما بعد أزمة الذعر والهلع، التي يواجهها العالم كله.

قطاع الصحة في الاتحاد الأوروبي من ضمن القطاعات التي تقع سلطتها تحت سلطة وصلاحيات منفردة لدُوَلِه، مع وجود هياكل تضامنية ذات خطوط عامة تتبنَّى قيم التضامن الأوروبي التي قام عليها الاتحاد، ورغم عدم وجود سياسات صحية مشتركة لعموم دول الاتحاد، إلا أنه وحسب مفهوم الاتحاد نفسه، فإن على كل دولة التحرك في إطار التضامن والتنسيق حال وقوع الأزمات.


واقع الحال في الأزمة الوبائية الأخيرة عكس فداحة عدم التنسيق التي هي سيدة الموقف، وهو الموقف الثاني في عدم التضامن والتفاهم امام أزمة طارئة في خلال سنوات قليلة، حيث سبقتها أزمة اللاجئين والتصدي الأمني للإرهاب«الداعشي» وقد وضع دول الاتحاد نفسها في مواجهة مع الذات.

المفوضية الأوروبية التي تعد بمثابة الجهاز التنفيذي في المنظومة الأوروبية هي الموكلة بتولي مهمات التنسيق في حالات كتلك، لكن ما حدث منذ بدأ الوباء بالتموضع في القارة وفي إيطاليا من شرقها وإسبانيا من غربها أظهر شدة الأنانية ــ كما يقول كثير من الأوروبيين ــــ عند الدول الكبرى المسيطرة على الاتحاد.

لسنا بحاجة إلى إعادة تدوير الشكوى الإيطالية، والتذمر الشعبي في إيطاليا، من تخلي الاتحاد الأوروبي عن تلك الدولة التي تفشى بها المرض إلى حدود خطيرة، فرسالة سفيرها في بروكسل إلى الاتحاد حملت مضمون الشكوى بشكل قاس وواضح، وطبعا بلا شك فإن هذا التذمر الذي سينتشر كعدوى، سيجد متلقَّفيه من كل تيارات اليمين المناهضة للوحدة في كل دول أوروبا، ويغذي ربما «مجموعة فيزغراد» التي تقودها هنغاريا، ويفتح ملفات أكثر من تداعيات الوباء وأوسع تشمل الظلم الاقتصادي والصناعي، الذي تعرضت له شرق دول الاتحاد لحساب دول غرب الاتحاد.

في مدينة قريبة مني على الحدود بين بلجيكا وهولندا، يزورها السياح كنموذج على وحدة أوروبا حيث أن الحدود تقسم البلدة إلى نصفين.. كان التشظي الوحدوي جليا بأحد المحلات التي يقسمها الخط الحدودي، فلم يستطع أحد الزبائن الهولنديين أن يشتري بيجامة من نفس المحل، لأن البيجامات كانت في الحد البلجيكي (المغلق)، بينما هولندا لم تغلق تلك المحلات.

هي طرفة الآن،ـ لكنها نموذج موجع في الغد.
#بلا_حدود