الاثنين - 25 مايو 2020
الاثنين - 25 مايو 2020

«كورونيات» بنكهة ساخرة

د. مجيب الرحمن
دكتور في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة جواهر لال نهرو ـ نيو دلهي، له مؤلفات وترجمات ومقالات منشورة في صحف عربية وغيرها من الجرائد بالهند.
اعتقدت البشرية أنها متحكمة في زمامها بفضل التطور التكنولوجي المدهش، لكن بغزو فيروس كورونا المستجد أصيب العالم بالهلع والدهشة أمام ما يحصده من أرواح كل يوم، وما يخشاه الناس من إصابة محتملة، فانتفى الاعتقاد بأننا بمنأى عن زمن الأوبئة والمجاعات كالملاريا، الكوليرا، التيفوئيد والحمى القلاعية، وغيرها من أوبئة القرون الماضية.

الذهول الذي أصاب البشرية بفتك كورونا سيغيّر بالقطع إدراك العالم لذاته ويعيد موقعه في التاريخ، وبالفعل قلّب المفاهيم رأساً على عقب، فلم تعد «ديزني» ساحرة، ولا مدينة باريس رومانسية، وفي نيويورك كل شخص ينام، ولم يعد جدار الصين حصناً منيعاً، وتحولت القبلات والعناقات والمصافحات لأسلحة فتاكة، وأضحى الامتناع عن زيارة الأبوين والأجداد بِرّاً بهم، وفجأة أدركنا أن القوة لا قيمة لها أصلاً، وأن المال لا يهم كثيراً في الحياة.

دوليّاً، الصراع على أشدّه للتسابق من سيخترع الدواء أوَّلاً، وسياسيّاً شرعت الدول في التعاون حتى مع ألدّ الأعداء لمجابهة الوباء، واقتصاديّاً تكبّد العالم خسائر بالمليارات، وتهاوت البورصات العالمية، فيما حصد الفيروس مئات الآلاف من الإصابات وعشرات الآلاف من الوفيات في معظم دول العالم.. إنها 4 أشهر منذ دخل ووهان ليصل إلى باقي البلدان، ويخلف من ورائه حكايات وطرائف وغرائب؛ فمثلا شباب أردنيون اخترعوا جنازة وهمية للخروج من المنزل، وصور لموظفين يطبخون كدليل لـ«العمل من المنزل»، وسيدات البيت خسرن الوزن، فيما أضحت الخادمات سمينات، وشباب أصيبوا بالاكتئاب الشديد جراء العزلة، وصور عن مطاردة الشرطة للشباب في الشوارع لزجّهم في بيوتهم، وفيديوهات عن أحوال الأفراد الهستيرية جراء الحجر، هذه ستصبح لاحقاً «كورونيات» تروى عما خلفه هذا الفيروس بحياة البشر.


الهند كغيرها من البلدان أعلنت الحجر لمدة 21 يوماً على لسان رئيس الوزراء، فأضحت الشوارع خالية، فيما تملَّك المواطنين الخوف من نقص المواد الغذائية، لا سيما للفقراء والمعدمين، الحياة بلا قراءة الصحف، والنزهة الصباحية، ولقاء الأحبة، وطلب البيتزا والأكلات إلى المنزل، والتسوق في المولات صارت مثل كابوس طال أمده.

فيروس كورونا المستجد، المخلوق المجهري الذي لا تراه العيون، قد ترك العالم مشلولاً تماماً إلّا من الطبيعة التي أعادت تنظيف نفسها، لا أحد يخرج من بيته كأنها إقامة جبرية طوعية يعيشها قهراً، سابقة تاريخية فريدة من نوعها، مجتمعات بأكملها في البيوت، لا فرق بين رئيس ومرؤوس أو وزير وغفير؛ الكل أمام كورونا سواء، ويبقى السؤال مطروحاً: متى سينزع العالم كمامته؟
#بلا_حدود