الثلاثاء - 26 مايو 2020
الثلاثاء - 26 مايو 2020

صراعات في عصر الوباء

خالد الروسان
كاتب صحفي وباحث سياسي أردني، مهتم بالشؤون السياسية الدولية والعربية وقضايا الفكر والصراع، له كتابات في هذه المجالات منشورة في عدد من الصحف والمجلات العربية
يعتقد البعض أنّ التعاطي الدولي في فترة الأزمات الإنسانية يترك طبيعته القائمة على الصراع والتنافس، ويميل إلى التعاون والتماسك، لكن ما نشاهده اليوم منذ بدء أزمة فيروس كورونا حتى الآن، هو ارتفاع وتيرة الاتهامات المتبادلة والتأزّمات الاقتصادية وتصفية الحسابات السياسية وغيرها.

لقد رافق ظهور أزمة كورونا اتهامات متبادلة بين أمريكا والصين، حيث اتهمت بكين الولايات المتحدة بأنّها كانت وراء انتشار الفيروس المذكور في مدينة ووهان الصينية عن طريق جنود من جيشها، لترد واشنطن بنفي ذلك، ووُصف كورونا على لسان الرئيس ترامب في مؤتمر صحافي بأنّه (فيروس صيني) ابتلي العالم به، وتتحمل الصين مسؤولية ذلك، خاصة أنها أخفت عن العالم ظهوره في البدايات ولم تُفصح عنه، الأمر الذي أثار حفيظة بكين رافضة ومستهجنة هذا الوصف الأمريكي.

أمّا المعارك الاقتصادية المرافقة لأزمة الفيروس فكثيرة ومتعددة، على رأسها حرب أسعار نفط بين روسيا ودول منظمة الدول المصدرة للبترول (أوبك)، مع حضور الأمريكان بالطبع من خلف الكواليس، لتكون أشبه بعراك روسي - أمريكي حول قضية النفط والزيت الصخري، وقد تضرر البعض بطبيعة الحال من وراء ذلك.


وتطل علينا كذلك خسائر أسواق المال والبورصات باعتبارها ساحات تنافس دولي، كنتيجة لتداعيات موضوع كورونا، لتعمّق مأساة الأوضاع العالمية وتزيد خساراتها المالية والاقتصادية، خصوصاً أنّ هناك عمليات مضاربة كبيرة تجري في الخفاء، سنعرف نتائجها والرابحين منها لاحقا.

وهناك أيضا تصفية حسابات سياسية تكاد تكون واضحة بين أطراف دولية مختلفة، ربما كانت دول الاتحاد الأوروبي ومن قبلها الصين من المستهدفين منها أمريكيا بسبب كثرة الخلافات والملفات العالقة بينهم، حيث ستستثمر واشنطن أزمة كورونا في تحقيق ذلك.

والمفجع في الأمر أن تظهر حالة صراع مخزية بين أطراف وجهات دولية تتعلق بإيجاد دواء وعلاج للفيروس الذي أذلَّ العالم وعطَّل الحياة البشرية على هذا الكوكب، لا بل إنّ المقايضات كانت علناً، عندما أغرى الرئيس الأمريكي ترامب شركة ألمانية بإنتاج اللقاح حصراً لمصلحة بلاده، وقد تلوح في الأفق حرب مستعرة بين شركات دواء عالمية متعلقة بهذا الموضوع.

وأخيراً، فإنّ ما تقدم ذكره أمثلة بسيطة تدل على استمرار حالة الصراع هذه، بل واشتعالها في هذه اللحظة الإنسانية الفارقة، ما يدل على أنّ السياسة الدولية والمصالح البشرية والنظام الرأسمالي لا يغادرون طبيعتهم القائمة على الصراع والتنافس وتحقيق المكاسب، دون اعتبار لأي ظرف بشري أو غيره.
#بلا_حدود