الأربعاء - 27 مايو 2020
الأربعاء - 27 مايو 2020

كورونا واستراتيجيات المستقبل

عمر عليمات
مستشار إعلامي، كاتب ومحلل سياسي، متخصص بقضايا الشرق الأوسط، عمل في العديد من المؤسسات الإعلامية المرئية والمطبوعة في الأردن والإمارات، كاتب في صحف إماراتية وعربية
بعيداً عن جدلية الاهتزازات الجيوسياسية العالمية التي قد تظهر بعد مرحلة تفشي فيروس كورونا المستجد، فإنه من شبه المؤكد أن استراتيجيات الدول أصيبت بهزة عنيفة ستسفر عن تغيير حقيقي في الأولويات والسياسات وخطط التنمية.

العالم من دون استثناء يمر بمرحلة غير مسبوقة، ستؤدي إلى إعادة التفكير في قضايا لم تكن في صدارة الأولويات والاهتمامات، ففي القرون الماضية كان الاقتصاد والقوة العسكرية أولويتين رئيسيتين للدول تنفق عليهما بسخاء، على اعتبار أن من يملكهما يستطيع أن يضمن التنمية المستدامة لبلاده ويفرض سياساته ورؤاه على المجتمع الدولي، إلا أن انتشار "كوفيد 19" قلب هذه المسلّمة رأساً على عقب، إذ ضرب عمق الدول المتقدمة بلا رحمة، لتبدو في حالة عجز ودفاع ومحاولة احتواء، بهدف تخفيف الآثار السلبية لا منعها.

الأنظمة الصحية والحروب البيولوجية والأبحاث العلمية فرضت نفسها اليوم على أجندة الدول بلا منازع، لذلك قد نشهد في السنوات القليلة المقبلة تغييراً جوهرياً في الأولويات، بحيث يتصاعد التركيز على هذه الأمور كونها خط الدفاع الأول عن الدول، ورفاهها الاقتصادي، بدلاً من القدرات العسكرية التقليدية.


وعلى ذات الصعيد، فإن العديد من الدول ستراجع خططها المتعلقة بالاستثمار في البنى التحتية التكنولوجية بشكل يعيد إنتاج مشهد العمل بكل تفاصيله، لتصبح المقارّ والمكاتب مجرد إثبات وجود، لأنه من المحتمل أن تكون نتائج "العمل عن بُعد" إيجابية لدرجة اعتماده حلاً دائماً لترشيد النفقات والمصاريف التشغيلية، وهذه الخطوة ما كانت لتطبق على هذا النحو الشامل لولا الانتشار المفاجئ لـ"كوفيد 19".

المستقبل سيشهد تركيزاً كبيراً على القطاع الطبي والاستثمار في التصنيع الصحي، خاصة في المعدات والعلاجات واللقاحات بشكل يفوق كل الخطط والبرامج السابقة، فانتشار كورونا أثبت أن الدول التي لم تضع هذه الأمور في صدارة أولوياتها، هي اليوم دول مثقلة بالأعداد الكبيرة للوفيات والإصابات، والانعكاسات السلبية على اقتصاداتها، ومع أن العالم مرّ بمئات الحروب، فإنه لم يصب بمثل حالة الشلل التي يشهدها اليوم، الأمر الذي يحتم على الجميع إعادة التفكير لضمان عدم تكرار هذا المشهد مرة أخرى.

ببساطة، كورونا قلب المفاهيم، وسيدفع العديد من الدول إلى مراجعة أولوياتها، بدءاً من تقدم مفهوم الدولة الوطنية، وصولاً إلى تراجع أولويات، وتقدم أخرى لم تكن سابقاً في دائرة الاهتمام بصورة كافية.
#بلا_حدود