الخميس - 24 سبتمبر 2020
الخميس - 24 سبتمبر 2020

ليس مجرد رئيس فقير

أحمد المسلماني
رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية، عمل مستشاراً سابقاً للرئاسة المصرية، له العديد من المؤلفات السياسية، قام بتحرير كتاب "عصر العلم" تأليف الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في العلوم، تقديم الأديب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب.
التغيير الثقافي أهم من التغيير المادي.. هكذا تحدث رئيس أوروغواي الشهير «خوسيه موخيكا»، الذي يُوصف بأنه أفقر رئيس دولة في العالم.

سأل المخرج البوسني «أمير كوستوريتسا» الرئيس موخيكا: ماذا لو كنت مثل رجل المكسيك الثري «كارلوس سليم» لديك (80) مليار دولار؟ أجاب الرئيس: «كنت سأعيش مثلما يعيش، أفكِّر طوال الوقت فيمن يسرقني».

رفض الرئيس «موخيكا» الذي غادر السلطة عام 2015 أن يتقاضى راتباً تقاعديّاً، ثم إنَّه كان قد تبرّع بـ(90%) من راتبه الذي يزيد على (12) ألف دولار شهرياً لصالح المحتاجين، كما سبق له أن دعا إلى إيواء المشردين في أجزاء من قصر الرئاسة لبعض الوقت، تقديراً رمزياً وحلّاً مؤقتاً إلى حين حلّ مشكلتهم، في الوقت الذي عاش في مزرعته البسيطة، يقود جرّاره الزراعي، ويركب سيارته «الفولكس» طراز 1987.


إن الرئيس الذي انضم إلى حركة يسارية متطرفة، رأى أنَّه كان يمضي وراء سراب، وعاد ليرى أن الحلّ في العقل وليس في السلاح.. يقول الرئيس في مراجعاته: «إنني أنتمي إلى جيل اعتقد بأنّ الاشتراكية على الأبواب.. قضيتُ شبابي في عالم من الأوهام، الكثيرون ممّن كانوا اشتراكيين هاجروا إلى الرأسمالية.. إن الرأسمالية ليست هى الإجابة الصحيحة، يجب البحث عن طريق آخر، لكن في أمريكا اللاتينية.. لا توجد أجوبة، بل توجد تساؤلات فحسب». ثم يواصل: «نحن أصدقاء رجال الأعمال، سنعمل ما في وسعنا لمساعدتهم، لكننا لن نبيع لهم أرواحنا».

يرى الرئيس أن الثقافة فوق السياسة. يقول: «لقد علّمنا التاريخ أن تغيير الثقافة أهم من تغيير الجانب المادي، فالتغيير الحقيقي يحدث في عقولنا». ويرى أن واجب الحكومة المنتخبة أن تكون على شاكلة الناخبين من حيث مستوى الحياة.. يقول: «في النظام الديمقراطي يجب أن تعيش الحكومة التي تمثل الأغلبية مثلما تعيش الأغلبية، وليس كما تعيش الأقليّة»، وفي تعيين المسؤولين وتولّي المناصب يقول: «يجب أن نختار من لديهم قلوب كبيرة وجيوب صغيرة».. وفي حفل التنصيب الجماهيري في العاصمة مونتيفيديو قال للحشود: «أنتم من يجب أن تكونوا على المنصة، وأنا من يجب أن يصفق لكم»، وفي آخر أيام الرئاسة سأله الصحفيون عن شعوره بالرحيل، قال: «أنا لم أرحل، لقد وصلت للتوّ، المنصب انتهى، والرسالة مستمرة».

إن وزير دفاع موخيكا، زميله السابق في السجن، ما يزال أكثر حدّة في الموقف من واشنطن، وهو ما لم يعد موقف الرئيس.. لا مراجعات عند الوزير، فما يزال يرى أن أمريكا كانت وراء عدم الاستقرار في أمريكا اللاتينية عبر سفاراتها، ويقول: «لماذا لا يوجد انقلاب عسكري في الولايات المتحدة؟ الإجابة: لأنها لا توجد على أراضيها سفارة أمريكية»، وامتداداً لذلك يواصل: «إنّ كثيراً من المنظمات غير الحكومية هى منظمات حكومية، وهذه هى عبقرية أمريكا».

يحتاج الرئيس خوسيه موخيكا إلى إعادة قراءة، إنه ليس مجرد ثوري يساري سابق، كما أنه ليس مجرد رئيس فقير.. إنّه مثقف.
#بلا_حدود