الاثنين - 21 سبتمبر 2020
الاثنين - 21 سبتمبر 2020

مزرعة دجاج نازيّة

أحمد المسلماني
رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية، عمل مستشاراً سابقاً للرئاسة المصرية، له العديد من المؤلفات السياسية، قام بتحرير كتاب "عصر العلم" تأليف الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في العلوم، تقديم الأديب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب.
لا يمكن لمن يرى ذلك الطفل البريء «هاينريش هيملر» أن يتوقّع أن يصبح يوماً ما كما أصبح، إن الطفل الذي ولد في ميونيخ مرتدياً نظارة طبية، ويستمع في أدبٍ إلى النصائح التربوية لوالده مدير المدرسة، قد أصبح الرجل القوي في نظام أدولف هتلر.

درس «هيملر» الزراعة، وعمل في مزرعة دواجن، لكنه لم ينجح، غير أن جزءاً من خبرته في تربية الدواجن قد جرى تطويره في رؤيته للبشر، لقد أصبح المزارع الفاشل ممسكاً بكل المؤسسات الأمنية في الرايخ الثالث.

لقد جرى اكتشاف ألف وثيقة نازية تعود لـ«هيملر»، يحاول الباحثون قراءتها وفهمها أملاً في معرفة جوانب أخرى من جرائم النازية، والجنون الهتلري - الهيملري المشترك.


بثت قناة «دويتشه فيلله» مؤخراً وثائقياً صادماً بعنوان «اختطاف الأطفال في عهد النازية.. الضحايا المنسيون»، وفيه يروي الفيلم قصة قيام الفرق النازية بقيادة «هيملر» باختطاف الأطفال من شرق أوروبا، وجعلهم ألماناً بالقوة، ونازيين بالإرغام.

تبدأ المأساة من تأسيس النازيين مكتباً باسم «مكتب الأعراق» حيث يتم أخذ الأطفال الذين يملكون مواصفات آرية إلى معسكر لمسح الماضي وزرع الحاضر الجديد، كانت «سياسة الجرمنة» تقوم على اختطاف الأطفال ذوي المواصفات الآرية: لون الوجه والشعر والعينين وغيرها، من أجل جعلهم ألماناً.

لقد جرى اختطاف (50) ألف طفل، منهم (20) ألف طفل من بولندا، وآلاف من أوكرانيا، والتشيك وسلوفاكيا، ودول أخرى في شرق أوروبا.

كان المعسكر يتضمن طوابير صباح قاسية للأطفال عند السادسة صباحاً، وكان يتم إجبارهم على نسيان لغتهم، وعقاب من يتحدث بها بالهراوات والإيذاء الشديد، ومع نسيان اللغة نسيان الاسم والعائلة، بحيث يتم منح الطفل اسمه الألماني وتعليمه لغته الألمانية.

وبعد رحلة المعسكر تأتي رحلة الإرسال إلى العائلات الجديدة، وحسب قول أحدهم: كانت العائلات تأتي لتتفرج ثم تقول هذا أفضل وهذا أنسب.. كأنهم يختارون في سوق الدجاج!

كانت فلسفة هاينريش هيملر العنصرية كالتالي: «يجب تعزيز السكان بالأطفال المنتقين من الخارج، إما أن نجمع الدماء الجيّدة عندنا، لنستفيد منها ونجعلها جزءاً منا، أو أن نقوم بإبادتها، يجب عدم ترك هؤلاء ليصبحوا قادة منافسين لنا في المستقبل، من واجبنا أخذ الأطفال من بيئاتهم، حتى لو اضطررنا إلى خطفهم وسرقتهم».

كانت سنوات الخطف في أثناء الحرب العالمية الثانية، من عام 1941 حتى عام 1945، وقد فشلت محاكمات نورمبرغ في إدانة النازيين بهذه الجرائم، حيث كان النازيون قد نجحوا تماماً في إزالة أي مستندات سابقة لهؤلاء الأطفال، واليوم فإن عدداً من هؤلاء الأطفال الذين تجاوزوا الـ80 من العمر قد أسّسوا جمعية في ألمانيا، ويطالبون بالتعويضات.

يا لها من فكرة مروّعة.. إنها خيالية إلى الحدِّ الذي جعل قضاة نورمبرغ يشككون فيها، ولسوف يتوقف العلم طويلاً أمام تلك الغرائز التي تسحق بعض البشر، فتصبح قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة.
#بلا_حدود