الخميس - 04 يونيو 2020
الخميس - 04 يونيو 2020

تونس.. صندوق الزكاة وأظافر الإخوان

عبدالجليل معالي
كاتب صحفي تونسي. حاصل على شهادة الأستاذية في التاريخ. صحفي في جريدة العرب الدولية منذ أكتوبر 2012. له كتابات في مجلة الهلال، وجريدة الأهرام، ونشرية مقاليد، فضلاً عن كتابات في صحف تونسية عدة.
أن يتبرَّع رئيس بلدية في ضواحي العاصمة التونسية بإعلان إنشاء صندوق للزكاة، متجاوزاً دستور البلاد وقوانينها، فإن هذا يؤدي في دولة سليمة متعافية إلى المثول أمام القضاء، أما في تونس فقد أعلن رئيس بلدية الكرم تأسيس صندوق للزكاة متحدياً كل التوجسات التي نبعت من أصوات سياسية ومدنية.

الحدث ليس شأناً محليّاً، ولا يمثل جزئيّة من عاديات السياسة في كل بلد، بل هو حدث خطير في رمزياته ودلالاته.. سوَّغ فتحي العيوني، رئيس بلدية الكرم، تأسيس صندوق للزكاة بكونه تجسيداً لفريضة شرعية ودستورية، في إطار السعي للقطع مع تقصير الدولة في تأدية واجبها تجاه هذا الركن من أركان الإسلام، وهنا خطورة الحدث في متنه وحواشيه.

دشَّن العيوني صندوق الزكاة، الثلاثاء الماضي، بحضور حمادي الجبالي، القيادي السابق في النهضة ورئيس الحكومة الأسبق، وبحضور عدد من نواب البرلمان عن حزب الرحمة وائتلاف الكرامة، وهنا مثّل الحدث نقطة التقاء بين أطراف وتيارات إسلامية «أجمعت» على ضرورة صندوق الزكاة وأولويته، وباشرت التطاول على معاني الدولة المدنيّة ومؤسساتها.


مفيد التذكير لفهم حيثيات الحديث، أن حركة النهضة كانت قد تقدَّمت لمجلس نواب الشعب في ديسمبر من العام الماضي بمشروع قانون لإحداث صندوق للزكاة، وفشلت في تمرير مشروع قانونها، فتبرَّع العيوني بتسريبه من مدخل جديد عنوانه «التدبير الحر الذي يتيحه المشرع التونسي للسُّلطات المحليَّة».

واجه تأسيس صندوق للزكاة معارضة واسعة من مختلف الأوساط السياسية والمدنية، التي قدَّرت أنه يمثل «تطاولاً» على مؤسسات الدولة، خاصة وقد رفض مجلس نواب الشعب، سابقاً، المصادقة على إنشائه.

ورأت فيه ثانياً، مساساً خطيراً بمبدأ مدنية الدولة، الذي أقره دستور عام 2014، باعتبار المشروع الجديد يمثل محاولة من قبل القائمين عليه للشروع التدريجي في بناء الدولة الدينية، التي تنسف مبادئ الدولة المدنية الحديثة ومكاسبها.

الحقيقة أن النّهضة تدفع هذا المشروع من وراء ستار، وهو يندرج في سياق معركة محتدمة تدور رحاها في تونس بين مشروعَين: مشروع يريد البناء على مكاسب الدولة الوطنية ومنجزاتها وتعزيزها، ومشروع يريد القطع مع مدنية الدولة، ويضمر بعثرة ما تحقق في تاريخها الوطني.

تختفي النهضة وراء الأحداث السياسية، وتصمُت عن الإدلاء بموقفها من القضية، لكن الثّابت أن الحركة سعيدة باضطلاع توابعها بتمرير أيديولوجيتها، ولعل في حضور حمادي الجبالي (القيادي النهضوي المنشق)، دليل على الصلة التي تربط الحدث بالحركة، وقرينة على أن الأمر أبعد من مجرد مشروع معزول في بلدية من ضواحي العاصمة.
#بلا_حدود