الخميس - 04 يونيو 2020
الخميس - 04 يونيو 2020

كورونا.. والنجاح الياباني

ساتوشي إيكوتشي
أستاذ في جامعة طوكيو، مفكر وأستاذ قسم الأديان والأمن العالمي في مركز أبحاث العلوم والتكنولوجيا المتقدمة (RCAST) ـ جامعة طوكيو. يشمل تخصصه السياسات الإسلامية والسياسة الإقليمية في الشرق الأوسط والعلاقات الدولية بين آسيا والشرق الأوسط.
لم تلجأ اليابان لإجراء الفحص على نطاق واسع لاكتشاف الأشخاص المصابين

منذ بداية الأزمة الراهنة، كان من الواضح أن اليابان تمكَّنت من اتخاذ تدابير متفرّدة واستثنائية، وُصفت أحياناً بأنها غامضة لوقف انتشار عدوى فيروس كورونا، وذلك خلافاً لما فعلته الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وبلدان أوروبا، عندما تبنّت إجراءات صارمة وقاسية لتحقيق هذا الهدف، فإن اليابان لم تلجأ إلى فرض حالات الإغلاق الاجتماعي.

وفي الواقع، لم يتم إغلاق المدن اليابانية، وواصلت قطارات الرصاصة «شينكانسن» رحلاتها وفق البرنامج العادي المخطط، ووفق المواعيد المحددة حتى لو كانت مقاعدها فارغة.


واكتفت السلطات اليابانية بالطلب من المطاعم والمقاهي الإغلاق في ساعة مبكرة من المساء، ومن دون فرض غرامات على من لا يتقيد بهذا الطلب، وذلك وفقاً لإعلان الطوارئ المنشور في بداية شهر أبريل.

وبالرغم من ذلك، استجاب معظم أصحاب المطاعم والمقاهي والدكاكين لهذا الطلب، وأغلقوا محالهم، وفضّل الناس الابتعاد عن النشاطات الترفيهية، وعمد موظفو المكاتب لنقل أعمالهم إلى بيوتهم، وبدت الشوارع مهجورة، ومراكز التسوق الكبرى فارغة.

واتضح فيما بعد أن سرعة انتشار العدوى في اليابان أصبحت أخف حتى قبل نشر إعلان الطوارئ المذكور، وغيّر الناس هناك سلوكهم بشكل استباقي قبل الإعلان عن الإجراءات الحكومية، وتبنّوا تدابير شخصية تنمّ عن الشعور بالمسؤولية الاجتماعية من أجل تجنّب انتشار الوباء على نطاق أوسع.

وسرعان ما لوحظ بعد ذلك، الانخفاض السريع في أعداد المصابين الجدد بالعدوى، خلال الفترة الممتدة من بداية أبريل وحتى منتصف مايو، وبقيت قائمة الموتى بفيروس «كوفيد-19» منخفضة العدد، فيما أظهرت إحصاءات أولية أن حالات الموت خلال تلك الفترة كانت أخفض مما كانت عليه خلال الفترة ذاتها من العام الماضي.

وخلافاً لما يحدث في اليابان، فلقد وجَّهت حكومات الولايات المتحدة ودول أوروبا الأوامر لمواطنيها للبقاء في بيوتهم، وأعلنت عن فرض قيود صارمة وغرامات ثقيلة ضد أولئك الذين يخاطرون بالخروج من بيوتهم، ومع ذلك، واصلت أعداد المصابين الجدد بالعدوى ارتفاعها فيما كانت أعداد الموتى ترتفع بشكل كبير وسريع.

وتُعد هذه الحالة اليابانية متفرّدة حتى في شرق آسيا، ولم تلجأ اليابان لإجراء عمليات الفحص على نطاق واسع لاكتشاف الأشخاص المصابين. وبدلاً من ذلك، فضّل الأطباء اليابانيون استخدام تقنية الفحص بالأشعة المقطعية المتوفرة في كل المستشفيات اليابانية من أجل اكتشاف أعراض الالتهاب الرئوي بسبب الفيروس، ليحصل المصاب بعد ذلك على العلاج المناسب وبما يخفف من أعداد الموتى.

وبشكل عام، هذه هي الطريقة اليابانية المتفرّدة لمعالجة المشاكل المعقدة التي يواجهها المجتمع، بحيث يتم تقليص الدور الذي تلعبه الحكومة إلى أدنى مستوى ممكن بالاعتماد على المجهود الشخصي لكل مواطن ياباني، ومن خلال إذعانه التطوعي لما تتطلبه الإجراءات والتدابير الاجتماعية المناسبة.

وغالباً ما يكون من الصعب على كل شخص أن يمتثل تلقائياً للإجراءات الاجتماعية غير المكتوبة، التي يحتاجها المجتمع، وهذا بالضبط ما يجعل المجتمع الياباني متميزاً.
#بلا_حدود