الخميس - 16 يوليو 2020
الخميس - 16 يوليو 2020

روسيا وأمريكا.. وبينهما تركيا

محمد زاهد غول
كاتب وباحث تركي، رئيس مركز شرقيات للبحوث بإسطنبول، ورئيس تحرير الإندبندنت التركية، له العديد من الكتب وعشرات الأبحاث والمقالات في الشأن التركي، كما ترجم عدداً من الكتب من التركية إلى العربية
كثرت التحليلات السياسية عن طبيعة العلاقات التركية ـ الروسية، وأثرها على العلاقات المتوترة مع أمريكا ومع الاتحاد الأوروبي.

ونجد أولاً أن منطلقات هذه التحليلات قد مضى زمنها منذ انتهاء الحرب الباردة، حيث كانت التحالفات حدية وتناقضية، بينما العلاقات الدولية اليوم منفتحة ومتعددة، وتركيا واحدة من الدول التي تحاول الخروج من تبعات الحرب الباردة، لأن للغرب هويّته الدينية المخالفة لتركيا، كما أن ذهاب النظام العالمي الجديد إلى تزعم الحرب على الإرهاب على أيدي أحزاب اليمين المتطرف والأحزاب الشعبوية والإسلاموفوبيا الغربية لا يتوافق مع القيم التركية.

لقد أقامت تركيا بنيتها السياسية الحديثة وصناعتها واقتصادها ودفاعاتها العسكرية الحديثة تحت الرعاية الأمريكية والأوروبية منذ تأسيس الجمهورية وانتماء تركيا إلى حلف الناتو 1952 وعضويتها في الاتحاد الأوروبي، فقد أنشأت بنيتها التحتية الصناعية المدنية والعسكرية على أساس التعاون مع الغرب، ولا يمكن لروسيا ولا غيرها أن تكون بديلاً عن رؤوس الأموال والشركات الغربية العاملة في تركيا، والصراع الدائر منذ عقود على التحكم بالاقتصاد التركي جزء من الاستراتيجية الغربية للاحتفاظ بتركيا لها، ورفض أمريكا والدول الغربية تشغيل صواريخ إس ـ 400 الروسية تعبير حقيقي برفض الغرب التخلي عن تركيا وأهمية انتمائها للمنظومة الأمنية الغربية.


إن تصريح وزير الدفاع التركي السابق «فكري إيشيك» مؤشر على حقيقة الأزمة التركية مع أمريكا والغرب، فقوله: «إن علاقات تركيا مع روسيا تكتيكية وليست استراتيجية، وإن بلاده ستستمر في كونها عضواً مخلصاً في حلف شمال الأطلسي» يكشف عن حقيقة العلاقات، بأنها مؤقتة وضمن معادلات تحقيق المصالح في التفاهم مع الدول الغربية، وبالأخص في الضغط على أمريكا ومشاريعها في سوريا، والتي تهدد الأمن القومي التركي بإقامة كيان كردي شمال سوريا من وجهة نظر تركية.

وقد بيّن «إيشيك» أنه على الرغم من أن تركيا لديها علاقات اقتصادية وثيقة مع روسيا وتحتاج إلى الاتصال مع موسكو لحل قضايا مثل الصراع في سوريا، لكنها لا تزال تتعامل استراتيجياً مع «الناتو»، أما العلاقات الاقتصادية فليست شرطاً مع الغرب فقط، لأنها تخضع للقواعد التجارية في المصالح والأقرب والأربح، وعلل «إيشيك» قرار تركيا شراء نظام الدفاع الروسي S- 400 بأنه بسبب رفض الولايات المتحدة بيع نظام صواريخ باتريوت لتركيا، فاضطرت إلى اللجوء إلى روسيا، فهو إجراء اضطراري لا أكثر، وهذا يعني أن تراجع أمريكا عن تزويد تركيا بالباتريوت سوف يجعل تركيا تتراجع عن المنظومة الروسية.
#بلا_حدود