الثلاثاء - 14 يوليو 2020
الثلاثاء - 14 يوليو 2020

من يملك التاريخ؟

خالد الروسان
كاتب صحفي وباحث سياسي أردني، مهتم بالشؤون السياسية الدولية والعربية وقضايا الفكر والصراع، له كتابات في هذه المجالات منشورة في عدد من الصحف والمجلات العربية
هناك صراع محتدم بين البشر على مر العصور حول أحقية امتلاك التاريخ، سواء كان ذلك يعني ادعاء الحق في تفسيره أو صناعته أو الحكم عليه أو تجييره لصالحهم، والأخيرة هذه من أكثر النقاط إشكالية وتعقيداً، ولأجل ذلك اشتعلت الحروب، وأُججت الصراعات، وكثُر الضحايا والمخدوعون من البشر.

إن معظم الإمبراطوريات والأمم والدول والمِلل وحتى الأفراد ادعوا ملكيتهم للتاريخ، وأنّ لهم الحق الكامل في إطلاق الأحكام النهائية المتضمنة للحقوق والحقائق حوله، فمن فرعون حتى هتلر ومن الإغريق حتى الإنجليز ومن الصهيونية العالمية حتى المحافظين الجدد، فعلوا ذلك في تفسيرهم لحركة التاريخ ونسبة عناصره وموجوداته ومعطياته لهم.

فمثلاً: لا يوجد غازٍ أومحتل في العالم إلاّ ادعى أنه يملك الشرعية لاحتلاله، والتاريخ هو من أعطاه الحق في ذلك، سواء أكان سنده عقائدياً أو فكرياً أو جغرافياً أو إثنياً أو قِدماً أو غيره، وبعض الأمم ممن امتلكت القوة بررت أحقيتها في حكم الأرض بسبب ما تقدم ذكره، وأنَّ من يثبت ذلك هو التاريخ.. وهكذا.


وأكبر مثال على ذلك اليوم هو «إسرائيل»، فقد وضعت التاريخ مسوغاً مقدساً لمشروعها بشكل تجاوزت فيه كل المسلَّمات والحقائق والمنطق وذاكرة الأمم والشعوب، وهي تحاول ببساطة أن تمسح تاريخ غيرها بإسقاط تاريخها المدّعى بدلاً منه، وبالتالي يقودنا هذا إلى السؤال المطروح آنفاً: من يملك التاريخ؟.. في الحقيقة لا يملك التاريخ أحد، إنّما هو من يملك نفسه، أي أنّ حركته ومفاعيله وموجوداته ونتائجه ظاهرة وجلية مهما حاول الجميع تغييرها أو تشويهها، فقد سُجلت أحداثه وثُبّتت ولا مجال لإنكارها فعلياً، فمثلاً: هل هناك شك في عدم شرعية الاحتلال الفرنسي للجزائر وإجرامه بحق شعبها، حتى عند فرنسا نفسها؟ ومن يجرؤ من أهل الأرض أن يقول غير ذلك؟ والأمر نفسه ينطبق على الحرب الأمريكية ضد فيتنام.

لذلك، اطمئنوا، فكل محاولات امتلاك تاريخنا والاستحواذ عليه وتزييفه من قبل «إسرائيل» لن تُفلح أبداً، فمن لم ينجح في ادّعاء ملكيته لـ«التبولة» و«الفلافل» - كما تفعل إسرائيل فلن يستطيع امتلاك التاريخ والفكروالأرض والإنسان، والأيام خير شاهد ودليل.
#بلا_حدود