الثلاثاء - 14 يوليو 2020
الثلاثاء - 14 يوليو 2020

أزمة التعددية العرقية في أمريكا

د. انتصار البناء
كاتبة وناقدة بحرينية، حاصلة على الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث، لها عدة مقالات ودراسات في النقد الأدبي والثقافي والتحليل السياسي في عدة صحف ودوريات عربية
مشهد رجل الشرطة المبتسم وهو يضغط بركبته على عنق الأمريكي الأسود، الذي كان يصيح بأنه يتألم ولا يستطيع التنفس، كان مشهداً قاسياً وصادماً.

الرجل الأسود توفي بعد نقله إلى المستشفى، ما أدى إلى غضب السود، فاندلعت احتجاجات كبيرة في تلك الولاية، ولم تكشف التحقيقات لحد الآن سبب الوفاة، إلا أن الحكاية برمتها قد أعادت للذاكرة عشرات القصص عن اعتداءات أفراد الشرطة البيض الأمريكيين على السود وقتلهم دون وجاهة قانونية.

منذ إعلان الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن تحرير العبيد عام 1865، وأمريكا لا تزال تعاني من وجود سلوك عنصري ضد (المواطنين) السود، فالقضية أبعد من شقها السياسي الذي يباهي بمفهوم (الأمة الأمريكية) التي تمتلك دستوراً اتحادياً، وقوانين عادلة تضمن المساواة، وتحمي الحريات الخاصة والعامة.


إن القضية ثقافية بحته، حيث لم تتشرب كثير من فئات المجتمع الأمريكي ثقافة التعددية وقبول الآخر، ولا تزال تنظر إلى السود باعتبارهم عبيداً للبيض، وتنظر إلى المهاجرين من مختلف الأعراق على أنهم دخلاء سيغيرون الهوية والتركيبة (الأنجلوـ سكسونية).

وقد أسهمت عوامل كثيرة في إذكاء تلك النظرة، منها الأعمال الفنية والسينمائية المسيئة للسود والمهاجرين من أصول لاتينية وإسلامية، وأحادية التعليم الثقافي في أغلب مدارس الولايات، ووصول التيارات اليمينية المتطرفة والشعبويين الجدد أمثال: الرئيس دونالد ترامب، الذين يجاهرون بشخوصهم وبأجهزة الإعلام الجبارة التي يمتلكونها بخطابات الكراهية ضد الآخر.

ولعقود طويلة بقيت الاتجاهات الاجتماعية تؤكد على قيمة النظام ومؤسسات المجتمع، وضرورة انصياع الفرد لها والالتزام بقوانينها والدفاع عنها، ونتجت عن الخطابات القومية ـ التي هي أهم نتاجات الاتجاهات الاجتماعية ـ الدعوة للموت من أجل النظام والوطن والمؤسسات الاجتماعية المختلفة ومنها الدينية، حتى تحول الفرد إلى تابع للنظام الاجتماعي، وعبداً تضغط عليه المؤسسات لإخضاعه، وهذا بالضبط هو تفسير صورة الأمريكي الأسود وهو خاضع تحت ركبة فرد من المؤسسة الأمنية.

وأمام هذه التراكمية من انسحاق الفرد أمام المجتمع، بدأت الاتجاهات الثقافية تعيد الاعتبار للحسابات الفردية في مقابل مؤسسات المجتمع الضابطة لسلوك الفرد وحرياته وهوياته، فبدأت حركات الدفاع عن حقوق الإنسان والأقليات، وقبول التعدديات، وحوار الحضارات، وبدل الاهتمام بالتزام الأفراد بواجباتهم، كما بدأ التأكيد على الاعتراف بهم وبهوياتهم المتعددة، وتلبية احتياجاتهم وتحقيق ذواتهم.

وإذ ثبت أنه إن لم تتنقل المجتمعات المتعددة نحو التفاهم والحوار وقبول التعددية، بدل فرض الهوية الأحادية واللون الواحد، فإنه لا محالة من تحول الاختلاف إلى صراع داخلي يثير الأزمات المتعددة، ويتحول إلى صراعات دامية.
#بلا_حدود