السبت - 31 يوليو 2021
السبت - 31 يوليو 2021

وصيّة البروفيسورة «آينا موتسنتس»

مالك العثامنة
إعلامي أردني مقيم في بلجيكا، متخصص في شؤون الشرق الأوسط والدراسات التحليلية والرصد الإعلامي. له مقالات في عدة صحف عربية، محلل سياسي على قنوات تلفزيونية ناطقة بالعربية
في عام 2012، كنت على أول موعد لألتقي مع دنيا الفيروسات وجهاً لوجه، وبطابع مهني بحت.

تمت دعوتي في ذلك العام إلى ريغا، العاصمة اللاتفية من خلال مركز أبحاث فيروسي طبي، لأكون مستشاراً لتسويق علاج «فيروسي» في العالم العربي، وهذا العقار يعالج بعض الأورام السرطانية المحددة، وقد أخذ مراحل العبور اللازمة وحسب الأصول لاعتماده في تلك الجمهورية البلطيقية الصغيرة والوادعة في الشمال الأوروبي.

كل هذا أتذكره يوميّاً هذه الأيام، وأنا في قلب الحجر المنزلي، أتابع القنوات والمحطات، وألاحق الأخبار بحثاً عما يبعث الأمل فيها، وأستمع لحديث العارفين وغير العارفين عن الفيروسات وعوالمها.

وأتذكر قصة البروفيسورة آينا موتسنتس وتفانيها في السعي للوصول إلى علاج من الفيروسات للأمراض المستعصية.. تلك السيدة اللاتفية التي خدمت في الجيش الأحمر إبان الحرب العالمية الثانية كممرضة، ثم خرجت من الحرب وقد صممت على أن تكمل دراستها في الطب، وتلتحق بعدها بدراسات متخصصة في علم الفيروسات، ثم دراستها المتعمقة أكثر في علاج «سرطانات الجلد»، التي تنتشر في مناطق الشمال الأوروبي، لتنتهي عام 1956 بالوصول إلى عقار فيروسي قادر على الفتك بالخلايا السرطانية في بعض أنواع السرطان «خصوصاً الجلد»، وكيف خبأ الاتحاد السوفييتي خلف ستاره الحديدي هذا العقار بالموازاة مع دفع البروفيسورة على تطويره بسرية كبيرة، وكيف وصل العقار إلى مراحله النهائية في مطلع الثمانينيات، وبقي سرياً تحت وصاية الستار الحديدي البارد في موسكو حتى سقوط المنظومة كلها، واستقلال لاتفيا مطلع التسعينيات.

في المختبر المخفي الذي زرته ذلك العام، أجبرت السلطات السوفياتية البروفيسورة موتسنتس وفريق طاقمها المساعد أن يعيشوا ويعملوا لشهور طويلة، في أبحاث الفيروسات لكن بهدف تطوير العقار الفيروسي المعالج للسرطان في مبنى متوسط الحجم ومهجور في أكثر غابات أوروبا كثافة، الغابات اللاتفية.

فكرت بهذا التاريخ التسلطي الطويل والقديم، بخلق الأسلحة كما يتم خلق الأدوية، ومن المنطقي أن تتصور وجود مختبرات مشابهة لهذا المختبر الذي زرته، مخفية ومحروسة من العين والرقابة، وهي تحاول أن تنتج أبشع الشرور الفتاكة، وليس من الضروري أن يكون ذلك حكراً على الجغرافيا السوفييتية، ولا الروسية.. فالأرض مليئة بالغابات، والجغرافيا فيها تضاريس خبيثة قادرة على أن تخفي مشاريع خبيثة.

كما تذكرت زيارتي لذلك القبر الصغير في غابة لاتفية صغيرة، وقد ضمَّ رفات البروفيسورة موتسنتس التي وافاها الأجل عام 2010، وقد أوصت بكتابة الكلمات التالية على شاهد قبرها: «يا علماء العالم، اتحدوا من أجل الإنسانية»
#بلا_حدود