الاحد - 27 سبتمبر 2020
الاحد - 27 سبتمبر 2020

أمريكا.. عقد التاريخ

د. انتصار البناء
كاتبة وناقدة بحرينية، حاصلة على الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث، لها عدة مقالات ودراسات في النقد الأدبي والثقافي والتحليل السياسي في عدة صحف ودوريات عربية
أمريكا التي وصفت قبل قرون بأنها العالم الجديد، تتميز عن غيرها من الدول بأنها أمة بلا تاريخ، لذلك فإنك لا تستطيع أن تبحث في خط زمني متسلسل يؤرخ التاريخ الأمريكي، بل ستجد (سرديات ـ حكايات) أنتجت أمريكا الحديثة، وقد تكون أهمها (حكايات) ثلاث، هي حكاية الشعوب الأمريكية الأصلية، حكاية المستعمرين الأوروبيين الجدد، وحكاية العبيد الأفارقة.

يعرف تاريخ الشعوب الأمريكية الأصلية بالحقبة (ما قبل الكولومبية) أي قبل كولومبوس الذي اكتشف القارة الأمريكية، وهي شعوب متعددة متنوعة الثقافة، أبادها المستعمرون الأوروبيون حين وصلوا إلى الأراضي الجديدة، عبر مذابح عرقية مرعبة، وأبادوا أهلها الأصليين.

أما المستعمرون الأوروبيون فهم خليط من عدة دول أوروبية، بعضهم تجار وبعضهم أفراد في الجيوش، وبعضهم مجرمون مدانون تم نفيهم إلى القارة الجديدة للعمل هناك، وهؤلاء دخلوا في صراعات عديدة وحروب متعددة تجاوزت الـ200 عام.


أما استجلاب العبيد من أفريقيا في رحلات بحرية قاسية ووحشية، فذلك تاريخ لا يزال الأمريكان السود يحفظونه ويحافظون عليه، لأنه يمثل هويتهم، ويؤرخ نضالهم حتى سنوات قريبة للحصول على حق المعاملة المتساوية مع البيض.

إن تاريخ تأسيس الولايات المتحدة الأمريكية ليس سلساً، وليس جزءاً من الحضارات الإنسانية الكبرى أو الصغيرة التي خدمت البشرية، وسارت معها في رحلة التطور والتغيير.. إنه تاريخ مليء بالثقوب السوداء غير الملهمة وغير الصالحة لتعليم النشء والاهتداء بها كباقي الأمم القديمة، لذلك عملت التشريعات والوثائق للأمة الأمريكية الجديدة على تأسيس حقبة ثقافية جديدة مغايرة لما سبق، ولكن بدون الاعتذار لضحايا مرحلة التأسيس أو إعادة الاعتبار لهم.

وعلى الرغم من تميز الوثائق الأمريكية السيادية في توصيف مفاهيم الحرية والعدالة، إلا أنها لم تستطع تجاوز عقدة (التفوق العرقي والثقافي) الذي يشعر به الأوروبيون تجاه باقي المكونات المتنوعة الأمريكية المتعددة، والذي شُيدت أمريكا بناء على منطقه الحاكم.

ولذلك كان بديهياً أن تتفجر بين الحين والآخر القضية العنصرية، وأن تتصدر اليوم العنوان الثقافي للعقد الثاني من القرن الـ21، ذلك القرن الذي تجاوزت فيه البشرية الحوار حول الحقوق الأساسية للبشر، وانتقلت إلى النقاش حول حقوق الاعتراف بالآخر، وقضايا المهاجرين والتعددية العرقية والثقافية.

لم تستطع أمريكا إذن أن تقود قيم العالم الجديدة، وإنها اليوم نتيجة لذلك تواجه كل متناقضات التاريخ والحاضر والمستقبل التي انفجرت دفعة واحدة، مذكرة بالتدخلات الأمريكية الدموية في دول العالم الثالث، تحت شعار نشر القيم الحضارية الأمريكية، والدفاع عن حقوق الإنسان، ومحاربة شياطين العالم.
#بلا_حدود