الخميس - 24 سبتمبر 2020
الخميس - 24 سبتمبر 2020

من يمتلك العالم؟

أحمد المسلماني
رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية، عمل مستشاراً سابقاً للرئاسة المصرية، له العديد من المؤلفات السياسية، قام بتحرير كتاب "عصر العلم" تأليف الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في العلوم، تقديم الأديب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب.
الشركات الكبرى تمتلك العالم، ليس في الأمر ما يحتاج إلى البحث عن جمعيات سرية أو محافل غامضة، ذلك أن الذين يمتلكون يعلنون أنهم يمتلكون، وأن الذين يديرون يعرف العالم كله أنهم يديرون، وأن اتحاد ملاك واتحاد إدارة العالم إذا جاز التعبير - وهو لا يجوز - هم قادة المال والاقتصاد.

الكاتب الاقتصادي الألماني «هانز يورغن ياكوبس» قضى سنوات في إعداد خريطة الثراء والقوة في عالم اليوم، وقد نشر كتاباً بعنوان «من يمتلك العالم؟: ميزان القوى في الرأسمالية العالمية»، وأوجز الكتاب حين تحدث إلى قناة «دويشته فيلله» عبر وثائقي «المال والسياسة في ألمانيا».. قائلاً: «العالم ملكٌ للذين يُتقنون فنّ استخدام أموال الآخرين».

وحسب «ياكوبس»، فإن «الاقتصاد المالي» كان يعادل «الاقتصاد الحقيقي» في سبعينات القرن الماضي، وذلك لأول مرة، ولكن حين كان النظام العالمي الجديد يتشكّل عقب انهيار الاتحاد السوفيتي، كان «الاقتصاد المالي» قد أصبح ضعف «الاقتصاد الحقيقي»، وبعد 10 سنوات فقط أصبح «الاقتصاد المالي» 3 أضعاف «الاقتصاد الحقيقي» وبعد 6 سنوات فقط، وفي عام 2016 كانت النسبة بين «الاقتصاد المالي» و«الاقتصاد الحقيقي» قد أصبحت (4) إلى (1).. تقريباً.


وبالأرقام، فإن حجم «الاقتصاد الحقيقي» عام 2016 كان (80) تريليون دولار، بينما كان حجم «الاقتصاد المالي» نحو (300) تريليون دولار!

توّقف الكاتب عند شركة «بلاك روك» نموذجاً لتلك الشركات العملاقة التي تعمل في الاقتصاد المالي، حيث تدير أسهماً في كل الشركات الألمانية المدرجَة في مؤشر الأسهم الألماني «داكس»، وعدد من الشركات الكبرى حول العالم.

إن شركة «بلاك روك» تمتلك (6%) من أسهم شركة «سيمنز» العملاقة، وهي نسبة كبيرة للغاية، فهي تعادل نسبة ما تملكه عائلة «سيمنز» ذاتها، ويصل إجمالي ما تديره شركة «بلاك روك» من محافظ مالية نحو (6) تريليونات دولار، وهو ما يفوق إجمالي الإيرادات الحكومية لكل من أمريكا وألمانيا وبريطانيا مجتمعة.

تكمُن خطورة هذه الأرقام الأسطورية في أنها لا تعبِّر عن سلع، أو يوجد لها ما يعادلها في العالم المادي الملموس، إنها أرقام مجردة بدون مقابل من السلع، يديرها أناس يُطلق عليهم «المستثمرون بالمال».

لقد قاد ذلك التفاوت بين «المال» و«الاقتصاد» إلى أزمات عديدة، من بينها أزمة 2008، والأزمة العالمية الأكبر التي يواجهها العالم اليوم مصحوبة بفيروس كورونا.

لقد أدركتْ الشعوب مع انطلاق الجائحة أن الزراعة هي الاقتصاد الأهم ومن دون منافس، حيث يخشى الناس الجوع في حالة عدم الاكتفاء الذاتي وتعثر التجارة الدولية، وأن الصناعات الأساسية هي الأهم حتى يستقيم الحد الأدنى للحياة، فلقد عاد الناس يفكرون على نحو بيولوجي، بحثاً عن السلع المادية، والاقتصاد الحقيقي.

إن استمرار صعود الاقتصاد المالي في عالم ما بعد كورونا، إنما ينذر بانهيار أكبر في المستقبل، حين يصحو العالم على الكثير جداً من الأسهم، والقليل جداً من الطعام.
#بلا_حدود