الثلاثاء - 14 يوليو 2020
الثلاثاء - 14 يوليو 2020

واشنطن.. والانتقال إلى أمريكا الجديدة

أحمد المسلماني
مستشار الرئيس المصري السابق - مصر
كان وزير الدفاع الأمريكي الأسبق دونالد رامسفيلد يصف أوروبا التي تعارض الولايات المتحدة بـ«أوروبا القديمة»، وربما ذات الوصف اليوم سيكون مناسباً لبلاده، ذلك أن أمريكا التي استقرت صورتها الذهنية لدى شعبها ولدى العالم ـ لعدة عقود ـ تتغيّر اليوم.

كانت «أمريكا القديمة» تدير سياستها الخارجية استناداً إلى التحالف مع أوروبا، ومع دول «اليمين الآسيوي» في اليابان وكوريا الجنوبية وحلفاء آخرين في الشرق الأوسط.

لم يعد الأمر كذلك الآن، فالخلاف مع كوريا الجنوبية واليابان، شأن الخلاف مع ألمانيا وفرنسا، والخلاف مع الاتحاد الأوروبي والحلفاء في الشرق الأوسط يمتد إلى الخلاف داخل حلف الناتو.


لقد قامت واشنطن في عهد الرئيس دونالد ترامب بتحويل ما هو عسكري وسياسي إلى ما هو مالي واقتصادي، وقد أدّى تمادي الإدارة الأمريكية في اعتماد الاقتصاد أساساً لحركة الإمبراطورية وتحالفاتها إلى نقد واسع من الحلفاء، وحسب التعبير الغاضب لوزيرة الدفاع الألمانية أنيغريت كرامب كارينباور: «إنّ حلف الناتو ليس منظمة تجارية، وإنّ الأمن ليس سلعة تباع وتشترى».

إن هذا التحول الكبير في الفكر الأمريكي قد يمتد جانب منه إلى ما بعد ترامب، وقد يعود أكثر قوة في رئاسات جمهورية قادمة، ليتوازى ذلك مع مظاهرات غير مسبوقة تحت عنوان «حياة السود مهمة»، وهي مظاهرات تهدف - من بين ما تهدف - إلى إنهاء ذيول الحرب الأهلية الأمريكية التي وقعت في ستينات القرن التاسع عشر، والقضاء على هيبة ومكانة رموز العبودية في أمريكا وخارجها، ولقد نال جرّاء تلك الثورة الثقافية تجار عبيد وجنرالات وملوكاً ومستكشفين كباراً، حيث جرى النيْل من مكانتهم التاريخية من أمثال ونستون تشرشل إلى الملك ليوبولد الثاني، ومن قادة الكونفدرالية في الجنوب الأمريكي إلى كريستوفر كولومبوس.

يتوازى مع ذلك أيضاً، صعود اليمين المتطرف واليسار المتطرف على حد سواء، فمن حركات التفوق الأبيض النازيّة إلى حركات اليسار الفوضوى، ينضم عدد من أبناء النخبة الأمريكية هنا وهناك، كما أن شعبية الفريقين لم تنحسر بمرور الوقت كما كان يعتقد بعض المفكرين الأمريكيين.

لقد أصبحت حركة اليمين الأمريكي المتطرف علنية وحاضرة، كما أصبحت حركة «أنتيفا» اليسارية التي يصفها الرئيس ترامب بـ«الجماعة الإرهابية» أكثر حضوراً وخطورة.

يُضاف إلى ذلك، اتهام المرشح الديمقراطي جو بايدن للرئيس ترامب بالاستعداد للتزوير، والعمل على عدم الخروج من البيت الأبيض حتى في حالة الهزيمة، وقد هدد بايدن باستخدام قوة الجيش، ومن جانبه قال ترامب: «إن الديمقراطيين سوف يزوّرون الانتخابات وهم يستعدون لذلك».

يتوزاى ذلك كله مع ملف اجتماعي ملتهب، حيث يتجاور 40 مليون عاطل مع نصف مليار سلاح ناري وسط تفاوت اجتماعي غير مسبوق، حيث يمتلك 10 أشخاص أمريكيين ما يمتلكه نصف سكان العالم!

ولذلك، تحتاج واشنطن إلى نظرية سياسية جديدة، تعيد ترميم العقل الأمريكي، وتعمل على وضع خريطة طريق للانتقال من «أمريكا القديمة» إلى «أمريكا الجديدة».
#بلا_حدود