الأربعاء - 21 أكتوبر 2020
الأربعاء - 21 أكتوبر 2020

الفوضى.. من خلاقة إلى حِلاقة

محمد أبوكريشة
مدير عام تحرير صحيفة الجمهورية المصرية ومستشار دار التحرير للطبع والنشر في مصر وكاتب صحافي في عدة صحف مصرية وعربية
من خطايا العرب أنهم يقيمون الأحداث نفسها ويحكمون على الأفعال ذاتها، لذلك تأتي أحكامهم متسرعة ومتعجلة وخاطئة وانفعالية وانطباعية، ونحن أساساً قوم انفعاليون انطباعيون مثل الذين ختم الله على قلوبهم فلا يخرج منها الباطل الذي دخلها ولا يدخلها الحق الذي خرج منها.

الموضوعية تقتضي دائماً انتظار نتائج الحدث وآثار الفعل قبل الحكم عليهما، فتعالوا نُقيّم ما سموه «الربيع العربي» الذي عبده كثيرون كصنم وتغنوا به كحدث، وقالوا إنه أعظم ما شهدت الأمة في تاريخها، هكذا بلا روية، مجرد حكم على حشود ومظاهرات وهتافات وشعارات وانقلابات وصراعات، ولم ينتظر الانفعاليون والانطباعيون النتائج، وأزعم أنني كنت دائماً في انتظار النتائج.

عندما تنحى الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، تلقيت اتصالات ورسائل تهنئة من أصدقاء كثيرين وكان ردي دائماً: انتظروا النتائج، لا أراني سعيداً بما سميتموه الربيع العربي.


وكان ما رأيت، وبدأت النتائج والآثار السيئة تتوالى، والآن يمكننا الحكم على الربيع العربي من خلال نتائجه وهي لا حدود لها في السوء، ومع ذلك فإن على قلوب أقفالها.

ومن أسوأ كوارث الخريف العربي نهاية النظام العربي وانهيار دول بأكملها وخروج دول أخرى من المعادلة العربية، لتصبح طرفاً في معادلات أخرى تركية أو إيرانية أو روسية أو أمريكية، ولا تكاد ترى سوى دول عربية تعد على أصابع اليد الواحدة لا تزال متماسكة.

ومن الكوارث أن الجماعات والميليشيات والطوائف صارت أقوى من الأوطان، وإسرائيل حققت شعار من النيل إلى الفرات بدون أن تطلق رصاصة واحدة، كما ظفرت بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس بدون أن تنتطح على ذلك عنزان!

لم يعد الصراع بين العرب وإسرائيل وإنما صار بين العرب والعرب، وبين دولتي حماس في غزة وفتح في الضفة، وأن المصالحة مع إسرائيل صارت أقرب 1000 مرة من المصالحة بين فتح وحماس!

ومن المصائب أن جماعات وطوائف صارت تستدعي تركيا وإيران وكل القوى الكبرى تستعديها على أوطانها، وأن حروب العرب صارت بالوكالة عن قوى إقليمية ودولية!

ومن آيات الخريف العربي سد النهضة الإثيوبي وسقوط ليبيا وغيرها وتغول جماعة الإخوان والجماعات الإرهابية الأخرى، والمحصلة أن التي سميناها فوضى خلاقة لم تكن سوى فوضى حِلاقة، حلقت الدين والقيم والأوطان والنظام العربي، فهنيئا للمغفلين والحمقى.. بنقطة واحدة!
#بلا_حدود