الثلاثاء - 22 سبتمبر 2020
الثلاثاء - 22 سبتمبر 2020

القوات الأجنبية.. خط أحمر

حاول العقيد الراحل معمر القذافي استفزاز القيادة المصرية سنوات الثمانينيات، ليدفع مصر إلى سياسات كما يريدها ويتصورها هو، وبلغ الأمر حد أن خطط للإغارة على السد العالي بسرب من القاذفات الثقيلة عام 1984، وتصور أنه حين تكون مصر مهددة بالغرق فسوف تهرع إليه قيادتها طلباً للعون والموافقة على اندماج الدولتين، كما حلم بها، ووقائع هذه العملية ذكرها بالتفصيل السفير السوفيتي في القاهرة وقتها، في مذكراته التي حملت عنوان «سنوات في بلاد أبوالهول».

اكتشفت مصر الخطة وأجهضتها ولفتت عملياً انتباه القذافي إلى أنها تدرك وتعرف ولن تسمح بذلك، تم ذلك في صمت تام وهدوء شديدين، وكانت القاهرة تدرك أنها إزاء شقيق لديه بعض النزق، وحرصاً على الجوار الجغرافي واحتراماً لأخوة تاريخية عميقة يجب تجاوز الأمر واحتواؤه، لأن الجغرافيا لها واجباتها، وأكاد أقول قدسيتها وأخوة الشعوب كذلك، ونجح رهان مصر وكفّ القذافي.

والذي حدث أنه منذ سقوط الدولة الليبية صار الجوار الجغرافي مصدر تهديد من الميليشيات وعصابات الإرهاب، وإن الأشقاء في ليبيا ضحايا لتلك الميليشيات، فحتى مطلع العام الماضي تم ضبط أكثر من 1200 سيارة رباعية الدفع محملة بأسلحة وذخائر وإرهابيين، حاولت كلها دخول العمق المصري، وزاد الأمر في الشهور الأخيرة بنقل ميليشيات إدلب والشمال السوري إلى ليبيا، وتدخلت تركيا بإرسال السلاح والفنيين وقامت قطر بالتمويل، الأمر الذي استدعى أن يذهب القائد الأعلى للقوات المسلحة المصرية الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى منطقة الحدود مع ليبيا وبين القوات في المنطقة الغربية، ليعلن الخطوط الحمراء للوجود وللتدخل الأجنبي في الشأن الليبي وخاصة في الجزء المواجه للحدود المصرية، لم يسمّ السيسي أحداً، بل وجه رسالة لم تكن في غرفة مغلقة ولا سرية، بل معلنة أمام العالم أجمع، حتى لا يسيء أي أحد التقدير أو يخطئ في الحساب .


الرسالة المصرية مفادها أننا لن نقبل بالمشروع العثماني في المنطقة، ونعرف أن التدخل في ليبيا يعد تهديداً أمنياً لدول الجوار بلا استثناء، فلقد حاول العثمانيون الجدد ذلك في السودان أواخر أيام الرئيس السوداني السابق عمر البشير، ولفظ الشعب السوداني الاثنين معاً.

العثمانيون الجدد يتوارون خلف دعاة الإسلام السياسي، وتحديداً جماعة الإخوان، التي تأسست خصيصاً لضرب المشروع الوطني المصري، وكافة المشاريع الوطنية في المنطقة العربية بأكملها لمصلحة خلافة موهومة سقطت مع الزمن ولا يمكن أن تعود ثانية من أنقاض الحرب العالمية الأولي وما بعدها.
#بلا_حدود