الاثنين - 28 نوفمبر 2022
الاثنين - 28 نوفمبر 2022

المعارضة التركية.. والمشهد الثقافي

تعكس حرية التعبير عن الرأي في الدُّول الديمقراطية صورة عن المشهد الثقافي الحر أولاً، وأن الحياة السياسية الديمقراطية في حالة صعود أم تراجع، فالوسط الثقافي من الإعلاميين والأدباء والأكاديميين والصحفيين والنشطاء السياسيين الحزبيين هم من يحرك الحريات العامة نحو الصعود، ومحاولة قمعه هو ما يؤدي إلى التراجع الثقافي والسياسي أيضاً، وما يجري في تركيا اليوم من وجهة نظر المعارضة التركية هو أن المشهد الثقافي في تراجع منذ تولي العدالة والتنمية السلطة.

تراقب المعارضة التركية المشهد الثقافي بدقة بالغة، وتعتبر أن تراجع الحرية الثقافية ومحاولة إسكات حرية الرأي واعتقال الصحفيين وأصحاب الرأي المعارض للسلطة يمثّل تراجعاً خطيراً عن الديمقراطية، وأن ذلك يؤذن بتراجع شعبية السلطة الحاكمة، فلا يقل تأثير تراجع حرية الرأي على قناعة المواطنين عن دور التراجع الاقتصادي، أو التراجع في أداء الدور الاجتماعي السليم للسلطة الحاكمة، فهذه عوامل تصب في تراجع شعبية الحكومة، وأخطر ما في هذ التراجعات ظهور دعوات من قادة السلطة أو مؤيديها المثقفين أو الأكاديميين لإسكات المعارضة ليس بالطرق البوليسية فقط، وإنما ـ وهو الأخطر ـ إسكاتها بالدعوة إلى إدخالهم معتقلات الرأي، أو الدعوة إلى غسيل أدمغة المعارضين على طريقة الأحزاب الديكتاتورية.

لقد جاءت دعوة «مطلب كوتلوك أوزجوفين» عضو هيئة التدريس بجامعة «إسطنبول أيدين» الخاصة إلى إنشاء معسكرات إعادة تأهيل وسنّ القوانين المطلوبة لتعديل أفكار المعارضين ضرباً من التراجع عن حرية الرأي، وتجاوزاً لحق التعبير عن القناعات الذاتية، سواء كانت مؤيدة أو معارضة فيما يتعلق بمتابعة الشؤون العامة للبلاد، وما يقلق في ذلك أن تكون الدعوة صريحة إلى أن الهدف هو تغيير قناعات المعارضين عن طريق إبعادهم عن بعضهم البعض، حتى لا يبقوا تحت تأثير نفس الأفكار التي يؤمنون بها، وكأنها دعوة إلى تغيير الأفكار قسريّاً.


إن اعتبار الرأي الآخر خطراً على الدولة هو بحد ذاته خطر على الدولة، وعلى السلطة الحاكمة أيضاً، فاتهام القائمين بالأعمال المادية المعادية للدولة بأنهم خطر على الدولة وعلى الشعب يمكن تفهمه، وينبغي أن يثبت من خلال القضاء العادل والنزيه، ولا أحد يمكن أن يدافع عن الذين يقومون بأعمال قتل أو تخريب، ولكن أن يتم الاتهام على مجرد حمل الرأي المخالف للحزب الحاكم على أنه خطر وينبغي إدخاله في معسكرات تأهيل لغسل الأدمغة، فهذه الطامة الكبرى التي تهدد الدولة حقيقة، فلا مبررات للتطهير الثقافي وقمع الرأي الآخر مهما كانت دعاوى الخطر.