الاثنين - 21 سبتمبر 2020
الاثنين - 21 سبتمبر 2020

باب كراهية السُّكنى في بغداد

أحمد المسلماني
رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية، عمل مستشاراً سابقاً للرئاسة المصرية، له العديد من المؤلفات السياسية، قام بتحرير كتاب "عصر العلم" تأليف الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في العلوم، تقديم الأديب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب.
ألّف «الخطيب البغدادي» أكثر من خمسين مصنّفاً، من أشهرها كتابه «تاريخ بغداد»، وهو كتاب ممتع وثري، فيه الكثير مما تتوجّب قراءته.

لكنّ الأكثر إثارة ولفتاً للانتباه في كتاب البغدادي، هو «باب كراهية السُّكنى في بغداد»، وهو هنا يعني «الكراهية الدينية»، حيث اعتبر البعض أن السكن في «المدينة الفاخرة» مكروه، والأفضل ألّا يقيم المسلم «التقي» في بغداد.

لقد كان ذلك في عهد الخلافة العباسية في أوج ازدهارها، وفي «عصر القمة» بالنسبة للعاصمة بغداد. كان رأي الفقهاء ممن رأوا هذا الرأى أنّ السكن في بغداد مدعاة للفتنة، ذلك أنها مقر الحكم ومركز الخلافة، وهي مدينة الثراء والفخامة والترف. وإذا لم تقم الحياة الباذخة بالإغواء، فإن الحياة السياسية كفيلة بذلك، فإن نجَا المرء من أمر لم ينج من الأمر الآخر.


وكان «سفيان الثوري» لا يدخل بغداد، وكان العالم الزاهد «بشر بن الحارث» من هذا الرأى، وكان مما قال: «ما صدق الله عبد أحبّ المقام في بغداد»، «إنني لأمشي ــ في بغداد ــ وكأنني أطأ على الجمر». وحين سأل «عمرو بن أيوب» «الفضل بن عيّاض» عن المُقام في بغداد، قال: لا تقم بها واخرج عنها!

كان بعض الأتقياء يفضّلون عدم صيام الفريضة في بغداد، وكانوا إذا جاء شهر رمضان غادروها، وكان «عبدالله بن المبارك» إذا أقام في بغداد قام بالتصدُّق عن كل يوم بدينار كفارة عن إقامته بها!

يقول «الخطيب البغدادي» في كتابه: «وكان غير واحد من السلف يكره السكنى في بغداد، ويحث على الخروج منها»، وقد أنشد «عبدالله بن المبارك» شعراً في ذلك:

قل لمن أظهر التنسّك في الناس وأمسى يعدّ في الزّهّاد

الزم الثغر والتواضع فيه ليس بغداد منزل العبّاد

لقد مرت أوقات على ذلك، ثم قام التتار بتدمير بغداد، ثم مرت قرون على المغول، ثم وقع العراق بين شيوعيين وبعثيين، محتلين وإرهابيين.. ظُلمات بعضها فوق بعض، وعاد القول القديم للخطيب البغدادي عن «كراهية السُّكنى في بغداد» صائباً من جديد.. فقد قُتل أكثر من مليون عراقي، وتشرد أكثر من مليونين، ولا يزال الدم سهلاً في بلاد الرافدين. وفي عام 2017 أصبحت بغداد «أسوأ مدينة في العالم من حيث جودة الحياة».

درس فريق شركة «MERCER» مئات المدن حول العالم، من حيث كل شيء، وفازت بغداد بلقب «الأسوأ في العالم».

الفارق كبير بين «الخطيب البغدادي» وشركة «ميرسر».. كان المؤرخ يتحدث عن كراهية السُّكنى فيها لأنها مترفة ومرفهة، وهي ثرية وقوية، لكن الشركة تتحدث عن نقيض ذلك كله.

قبل ألف عام كانت بغداد الأفضل في العالم، ثم كانت «بغداد ضد بغداد».. فأضحت الأسوأ.

العراقيون شعب عريق، والعراق وطن عظيم، ويمكن للمناعة الحضارية أن تقاوم، ويمكن للفجر أن يشرق من جديد. اليأس خيانة، والأمل وطن.
#بلا_حدود