الاحد - 27 سبتمبر 2020
الاحد - 27 سبتمبر 2020

النسويّات.. وكسر سياج الأنوثة

د. انتصار البناء
كاتبة وناقدة بحرينية، حاصلة على الدكتوراه في النقد الأدبي الحديث، لها عدة مقالات ودراسات في النقد الأدبي والثقافي والتحليل السياسي في عدة صحف ودوريات عربية
على الرغم من أن الحركات النسوية كانت واحدة من أهم الحركات الحقوقية، التي أسهمت بشكل فاعل في تحسن أوضاع المرأة في جميع دول العالم، إلا أنها اليوم تموج باتجاهات جديدة تبدو مختلفة عما سبقها.

وإذا كانت «النسوية» في كل تاريخها تواجه السائد الثابت، وتصنف في خانة الممنوعات، إلا أنها تمكنت في النهاية من تحقيق رصيد إنجازات باهر، لا يمكن تجاهل نتائجه، التي غيرت صورة الكرة الأرضية.

لقد بدأت الحركة النسوية أهم نشاطاتها بالمطالبة برفع التمييز ضد المرأة، ونيلها حقوقاً مكافئة للرجل، فتمكَّنت من مساواة المرأة بالرجل في مجالات التعليم والعمل والأجر، بل وتخطّتْه إلى المساواة في الحقوق السياسية في التصويت في الانتخابات وانتهاء في تقلد جميع المناصب القيادية.


وفي هذا الاتجاه عملت الحركات النسويّة على تفنيد التشريعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، التي تمجد «السلطة الذكورية»، وتعيق مساواة المرأة بالرجل، فألغت ما تمكنت من إسقاطه من تلك التشريعات، وأوجدت لما يتعذر إسقاطه تأويلات ومخارج، مثل: قوانين الولاية في مجتمعاتنا العربية، كما لم يمر مشروع «تكافؤ فرص المرأة مع الرجل» مروراً سلساً في أي من دول العالم، بل كان حرباً ضروساً خاضتها النسويات دفعت بعضهن حياتهن ثمناً في سبيل إنجازه.

وتلوح في أفق هذه المرحلة موجة جديدة من «الفلسفة النسوية» لا علاقة لها بمقارعة «السلطة الذكورية» لتحقيق تكافؤ فرص المرأة مع الرجل، بل تتخذ موقفاً حاداً تجاه فكرة «الأنوثة» في حد ذاته، وربما تكون نوال السعداوي واحدة من النسويات الممهدات لهذا الاتجاه بظهورها بشعر أبيض ووجه خالٍ من مساحيق التجميل، إلا أنها في كتاباتها وسلوكياتها لم تعلن موقفاً رافضاً لفكرة «الأنثى»، وإنما كانت تعبر عن رفض استغلال جسد المرأة وشكلها، للتقييم أو المرور عبر البوابات الخلفية.

غير أن فئة جديدة من النسويات، ومنهن المهاجرات العربيات عبّرن عن رفض فكرة الأنوثة بالظهور بأشكال صارخة تعبر عن احتجاجهن، بالدرجة الأولى على الظروف السيئة التي عشنها، فبدأن بالظهور (حليقات الرأس) أو بدون شعر مصبوغ. وارتدين أزياء وأكسسوارات ذات طابع عنيف أو شبه غرائبي.

هذه السلوكيات التي تتزعمها المهاجرات العربيات الناقمات على ظروف المجتمع العربي، قد تبدو خالية من الفكر والفلسفة والجدوى الاجتماعية والإنسانية، ومرتبطة بالجانب السلوكي التحرري فقط، وهو ما قد يجعلها تنطوي تحت مفهوم «التطرف»، ويخرجها عن مفهوم الحرية الفردية، التي تعبر عن الفردانية الذاتية بدون أن تبحث عن التأثير على الآخرين، أو تزعم التعبير نيابة عنهم.
#بلا_حدود