الاحد - 09 أغسطس 2020
الاحد - 09 أغسطس 2020

في مديح «البرج العاجي»

أحمد المسلماني
مستشار الرئيس المصري السابق - مصر
في أحد فنادق القاهرة.. جلست أتناول القهوة مع صديق لي يعمل في وكالة ناسا. وقد تصادف أنْ رأيت صديقاً آخر لي وصل مبكراً بعض الوقت ليكون في انتظار ضيوفه.. جاء الصديق الذي يعمل في مجال المال والأعمال للمصافحة والحديث العابر.

لم يكن ذلك الحديث العابر معي، وإنما كان مع عالم الفضاء، بعد أن قمت بتقديمهما إلى بعضهما البعض. سأل رجل المال الذي يتمتع بخفة الظل: ما عملك في أمريكا؟ أجاب: أنا أعمل في مجال الكواكب والنجوم، وكل عمل فريقنا يتعلق بدراسة الفضاء.

وكان تعليق رجل الأعمال: إذن أنت لست معنا، أنت هناك في الفضاء.. دعك من هذا الخيال وانزل هنا على الأرض، حتى نستطيع الحديث معاً! لم يكن ذلك التعليق الطريف من رجل الأعمال مجرد دعابة قاسية فحسب، وإنما هو تعبير عن رأي معظم الناس ممن يتساءلون دوماً عن جدوى ما لا يؤدي إلى طعام أو شراب.. وقد باتت هذه النظرة تهدِد حقولاً معرفية بأكملها.


إن الفلسفة والمنطق وعلم الاجتماع ومعارف عديدة يرى كثيرون أنها بلا ضرورة، وأنها بحث في الفراغ، ثم إنها لا تضيف شيئاً إلى الاقتصاد أو مستوى المعيشة. وحسب هؤلاء فإن كل ما لا يأتي بخبز فهو باطل، وبالتعبير المصري الشائع: لا يصلح لأكل العيش.

ولقد امتد ذلك إلى وصْف كبار المفكرين الذي يُنَظِّرون من أعلى، والذي يفكرون على المستوى «الماكرو ـ فكري» بأنهم سفسطائيون غارقون في الجدل، ومنظِّرون يكتسبون أوزانهم ويكسبون أموالهم من لغو الخطاب وغموض المفردات، وهم بذلك يعيشون وحدهم في واد بينما يعيش المجتمع في واد آخر، أو بالتعبير الأشهر «إنهم يعيشون في برج عاجي».

لقد أصبح تعبير «البرج العاجي» بعيداً عن أصله التاريخي الذي جاء في التوراة، أو استخدامه القديم في المسيحية، وأصبح يصِف أولئك الذين يحلقون في غياهب الاستعلاء بعيداً عن بؤس الواقع.

لست واحداً ممن يوافقون على ذلك، ولطالما كنت من أنصار الرؤى النظرية والأطروحات الكبرى، إذ لا يمكن لدولة أو أمة أن تنهض ببعض الفسيفساء الفكرية أو المنمنمات الثقافية. وإنما يتوجب لأجل ذلك عرض نظريات كبرى تضع إطاراً للمجتمع والدولة، وتصيغ وظيفة حضارية وخريطة طريق معرفية.

لا يمكن للذين يزرعون أو يصنعون، أو أولئك الذين يقطنون الشارع أو يمشون في الأسواق، أن ينهضوا وحدهم نتيجة إدراكهم للتفاصيل، واندماجهم في وقائع الحياة.

إن المشروع الحضاري لأى شعب إنما يحتاج تلك الرؤى العليا، والأطروحات الكلية. إنه يحتاج إلى نظرة من فوق السحاب، وإطلالة تتجاوز المكان والزمان.

لا يمكن للسياسيين والنواب وأعضاء الأحزاب والنقابات، أن يعملوا بلا ظهير فكري، ولا يمكن لمسؤولي التفاصيل أن يمضوا في أزقتهم من دون ذلك الناتج الرفيع الذي يقدمه سكان البرج العاجي، ولا يمكن لثقافة الميكروسكوب أن تنجح من دون ثقافة التليسكوب.
#بلا_حدود