الاحد - 09 أغسطس 2020
الاحد - 09 أغسطس 2020

ترامب.. وهويّة أمريكا الجديدة

خالد الروسان
كاتب صحفي وباحث سياسي أردني، مهتم بالشؤون السياسية الدولية والعربية وقضايا الفكر والصراع، له كتابات في هذه المجالات منشورة في عدد من الصحف والمجلات العربية
إنّ مسألة وجود أزمة هويَّة داخل الولايات المتحدة الأمريكية أمر معروف، لكن الجديد هو: كيف ينظر تيار الرئيس دونالد ترامب لهذا الموضوع ؟ وهل من السهل صناعة هويَّة جديدة لأمريكا؟ وبأيِّ فكر أو توجه سيكون ذلك؟

في واقع الأمر، القضية في الأصل معقّدة تاريخياً واجتماعياً، وبالتالي لا يمكن حل إشكاليَّة مركبة وعميقة بأخرى متناقضة ومتوترة كما يفعل ترامب اليوم، في محاولته ولوج هذه المنطقة الخطرة المليئة بالألغام، لأن ذلك سينتج مزيداً من الاحتقان والتأزّم، فهو يرغب كما تدل أفكار وتوجهات إدارته، بأن تكون هوية أمريكا الجديدة «بيضاء مسيحية»، وذلك عبر سيادة العرق الأبيض والعودة إلى الكنيسة مجدداً، اتكاء على قناعة راسخة عندهم مفادها: أن الأوروبيين جاؤوا إلى أمريكا محررين يحملون لواء التنوير المسيحي.

ويتضح من ذلك التوجه، إنكاره الواضح لعدد من المسلمات والحقائق؛ فالهوية الحديثة للغرب ولأمريكا هي كما يقولون: علمانية رأسمالية ليبرالية، مع الاحتفاظ بخلفية دينية مسيحية، والمتوقع بالتالي حدوث تناقضات هائلة في مواجهة هوية ترامب الجديدة، منها: أولاً ـ التناقض الفكري الحاصل بين نظام رأسمالي علماني مادي، ومحاولة العودة للأصول الدينية المسيحية، فعندما حاولت بعض التيارات مثل المحافظين الجدد وتيار ترامب تأسيس هوية جديدة عبر الرجوع إلى الكنيسة، وجدوا أمامهم مجتمعاً يعيش أزمة هوية حقيقية، حيث جاءت محاولة التيارين لتأجيج الحالة اليمينية في العالم، خاصة في الصراع مع الإسلام، ودفع الساحة الدولية لتبني وخوض حرب مقدسة مع عدو عقائدي، ضمن سياق محاولة إيجاد هوية عكسية مشابهة كرد فعل متوقع ضد الجهة الدينية الشرقية هذه والتي تريد «تقويض تقافة الغرب»، وذلك لإقناع المجتمع هناك بضرورة تبني هوية جديدة ذات أبعاد عقائدية أيديولوجية.


ثانياً ــ أن أمريكا ظلت تقدم نفسها على أنها «بوتقة الصهر»؛ بمعنى قدرتها على صهر كل أعراق وثقافات سكانها والمهاجرين والقادمين إليها، باعتبارها بلاد الحريات والمساواة والتنوع الثقافي، وبالتالي يأتي كل ذلك متناقضاً ومستحيلاً مع الهوية البيضاء المَنْوِي التأسيس لها، إلا إذا كان الصراع العرقي والفكري هو الملاذ الأخير لحسم هذا الأمر.

من هنا، يعلّق البعض على محاولات التيار اليميني المحافظ صناعة هوية جديدة لأمريكا، بأنها أشبه بعملية تفجيرية للتشكيل الاجتماعي والثقافي الداخلي للدولة، وانتحار سياسي غير محسوب العواقب.
#بلا_حدود