الخميس - 24 سبتمبر 2020
الخميس - 24 سبتمبر 2020

يا إلهي.. لقد استطعنا

أحمد المسلماني
رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية، عمل مستشاراً سابقاً للرئاسة المصرية، له العديد من المؤلفات السياسية، قام بتحرير كتاب "عصر العلم" تأليف الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في العلوم، تقديم الأديب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب.
ثمّة مصطلح جديد يمكن أن ينشأ في السنوات المقبلة: «القوى العظمى البحثية» أو «القوى العظمى العلميّة»، والترتيب العالمي في السياسة والاقتصاد والسلاح سيظل مرتبطاً على نحوٍ حاسم بالترتيب العالمي في العلوم والبحث العلمي.

في هذا السياق يكمن التحدّي الأكبر الذي يواجه الولايات المتحدة في تراجع مركزها البحثي أمام المنافسة الآسيوية القوية، وحسب تقرير المؤسسة الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة - الذي صدر بداية العام 2020 - فإن الولايات المتحدة قد تراجعت أمام الصين في إنتاج ونشر الأوراق العلمية، فمن بين (2) مليون ورقة علمية جرى نشرها حول العالم في عام 2018، كان نصيب الصين نصف المليون ورقة، فيما تراجعت الولايات المتحدة إلى المركز الثاني، ولم يكن المركز الثالث من نصيب أوروبا أو روسيا أو اليابان، بل كان من نصيب الهند.

وهكذا نجد أنفسنا أمام ترتيب للقوى العسكرية الأكبر في العالم كالتالي: الولايات المتحدة ثم روسيا ثم الصين، وأمام ترتيب آخر للقوى الاقتصادية الأكبر كالتالي: الولايات المتحدة، ثم الصين، ثم اليابان، وأمام الترتيب الثالث للقوى العلميّة الأكبر كالتالي: الصين ثم الولايات المتحدة، ثم الهند.


ووسط أخبار غير جيدة في حقبة كورونا وما قبلها، جاء نبأُ إطلاق دولة الإمارات العربية المتحدة لمسبار الأمل باتجاه كوكب المريخ، بمثابة حقل زهور ترعرع فجأة وسط غابات الشوك ونشرات الدمّ.

لم يكن إطلاق المسبار بالخبر المباغت، ذلك أنه جاء في سياق منطقي، تضمّن من قبل وصول رائد فضاء إماراتي إلى المحطة الفضائية الدولية، وإطلاق القمر الإماراتي «خليفة سات» لمتابعة جوانب بحثية تتعلق بكوكب الأرض.

كما أنه جاء نتاج رؤية بدأت من استقبال مؤسس الدولة الشيخ زايد بن سلطان لرواد فضاء من رحلة أبولو وعالم الفضاء المصري الدكتور فاروق الباز في أواسط سبعينيات القرن الماضي، وبعد سنوات قليلة من ميلاد الاتحاد.

ولقد امتدت هذه الرؤية إلى القادة الجُدد الذين وضعوا وأداروا إطاراً لدعم اقتصاد المعرفة، فأسسوا وكالة فضاء، وانطلق مئات الباحثين والمهندسين يعملون في مركز «محمد بن راشد للفضاء»، ثم تواصلت الجهود في مسبار الأمل سنواتٍ ستّ حتى كان الانطلاق صيف 2020.

حين وصلت الهند إلى الفضاء فيما قبل واجهت نيودلهي تقليلاً من إنجازها، ونشرت صحف أمريكية رسوماً تصور رائد فضاء هندي وقد أخذ البقرة إلى الفضاء، لكن لم تكترث الهند ومضت في طريقها إلى المركز الثالث علمياً في عالم اليوم.

قليلون في العالم العربي أظهروا حقداً كبيراً، وغيظاً شديداً إزاء ما جرى، لكن غالبية العالم العربي رأت - بحسب قول الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي - في الإنجاز الإماراتي إنجازاً عربياً، واستئنافاً لما كان في زمن الحضارة العربية.

إن العنوان الأكبر لمسبار الأمل هو صناعة الثقة، وكأنّي بأولئك الرائعون الذين أنجزوا هذا العمل الكبير يقولون: نعم نستطيع، يا إلهي: لقد استطعنا.
#بلا_حدود