الاثنين - 21 سبتمبر 2020
الاثنين - 21 سبتمبر 2020

صدمة بيروت.. المغزى والإشارة

مارك لافيرني
كبير زملاء البحث في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، محلل أمني سياسي لقضايا الشرق الأوسط.
تُعد الكوارث الصناعيَّة شيئاً عادياً في عالمنا، الذي يعتمد بشكل كبير ومتزايد على التكنولوجيات والمواد بالغة الحساسية.

وخلال العقود الماضية، نُكبت الولايات المتحدة بحادث انفجار مفاعل «ثري مايلز آيلاند» عام 1979، وسُجِّل انفجار أكثر خطورة في مفاعل تشيرنوبيل النووي عام 1986، وفي عام 2011 تعرضت اليابان لانفجار خطير في مفاعل فوكوشيما، ونُكبت فرنسا بدورها بكارثة انفجار 300 طن من مادة نترات الأمونيوم الشديدة الانفجار كانت مخزونة في مستودع بمدينة تولوز.

وتكشف هذه الحوادث كلها عن وجود ثغرات خطيرة ليس فقط في أساليب المعالجة التقنية، وأساليب التعامل مع هذه التكنولوجيات والمواد، ولكنها تعبّر أيضاً عن العجز الخطير للسلطات الحكومية المختصة في فرض أسس الحماية اللازمة لمواطنيها والحفاظ على أمنهم الاجتماعي.


وبسبب ضخامة الانفجار المروّع الذي شهدته بيروت مساء الثلاثاء (4 أغسطس الجاري)، فإن من الممكن مقارنته بتلك الكوارث المذكورة، والشيء الذي يثير الاهتمام هو أن الانفجار لم يكن ناتجاً عن الافتقار للخبرة ولا لنقص الفعالية، بل إنه يلخص حالة الانهيار العامة التي يعاني منها لبنان، هذا البلد الذي يواجه الآن تهديداً وجودياً حقيقياً، وفي نفس الوقت، لا يبدو أن الوقت أصبح مناسباً لمساعدة اللبنانيين أثناء مواجهتهم لمصيرهم كدولة.

ولا نجد اليوم رجل دين ولا شخصاً أجنبياً نوجّه إليه اللوم عما حدث، وبعد أن فشل الزعماء السياسيون والقادة الاجتماعيون والدينيون، لم يبقَ أمام اللبنانيين إلا الانطلاق بإعادة بناء دولتهم على أسس جديدة.

ولا شك أنهم يواجهون تحدياً قاسياً، فوطنهم لم يعد جسراً بين الشرق والغرب، ولا بوابة العبور إلى سوريا والشرق الأوسط. ولم يعد ميناؤهم الرئيسي يشبه ميناء جبل علي بدبي ولا ميناء بيرايوس في أثينا، كما سجل نظامهم البنكي والمالي فشلاً كبيراً، وعجزاً فاضحاً عن القدرة على دعم الاقتصاد، ولم يعد نظام لبنان التعليمي والصحّي مثيرَين للجاذبية والاهتمام، وليس بإمكان لبنان الاعتماد على السياحة بعد الآن.

ويمكن القول: إن أيام العزّ في لبنان ولّت بعد أن أصبحت أرضه ساحة لصراع المصالح الأجنبية، فضلاً عن أنه يستضيف أكثر من مليون لاجىء سوري، وأصبح جيشه مثاراً لسخرية ميليشيات حزب الله المدعومة من إيران.. فهل يعني كل ذلك أن لبنان يستحق الإدانة؟

أنا أعتقد أنه لا يستحقها أبداً، ولقد كُتب لي أن أعيش معظم الأزمات التي عانى منها لبنان منذ كنت طالباً في المدرسة في بداية عقد السبعينيات، وتفرض عليّ تجربتي أن أعترف بأن اللبنانيين يتمتعون بقدرات أخلاقية وفكرية عالية يمكن أن تساعدهم على إعادة بناء وطنهم على أسس ثابتة.

ولا شك بأن للمحنة الحالية آثارها الإيجابية، لأن التنوع المجتمعي والديني كان يفقد بعده العدائي في بعض الأحيان لمصلحة الحفاظ على المصير المشترك، ويجب أن يبقى هذا التنوع رصيداً إيجابياً بدلاً من اعتباره عاملاً لانعدام الثقة والتباغض المتبادل بين الطوائف.
#بلا_حدود