الاثنين - 21 سبتمبر 2020
الاثنين - 21 سبتمبر 2020

تركيا.. والطلاق الأوروبي ـ الأمريكي

مصطفى طوسه
إعلامي ومحلل سياسي فرنسي من أصل مغربي مقيم في باريس، حاصل على دبلوم المعهد الفرنسي للإعلام والصحافة في باريس، كاتب افتتاحيات في عدة منابر إعلامية، يتداخل باستمرار على قنوات التلفزة العربية والفرنسية.
هناك اعتقاد راسخ في عواصم القارة العجوز أنه لو كانت العلاقات الأوروبية ـ الأمريكية تعيش مرحلة تناغم استراتيجي لما تجرَّأت القيادة التركية الحالية على تبني مقاربتها العدوانية تجاه محيطها عبر عسكرة سياستها الخارجية واستعراض عضلاتها.

تركيا تستغل حالياً أجواء الطلاق السياسي التي تطبع الروابط بين الأوروبيين والأمريكيين لكي تُخْرج إلى الوجود آليات التمدد والهجوم على محيطها الأطلسي، مترجمة بذلك ما يعرف عند البعض بعقيدة «الوطن الأزرق»، الذي تحمل أيديولوجيته بعض أجنحة المؤسسة العسكرية التركية، والتي تحلم بتوسيع النفوذ التركي في البحر الأسود، وبحر إيجة، وشرق المتوسط.

أجواء الطلاق هذه أنزل بنودها الرئيس دونالد ترامب عبر تشجيعه لعملية البركسيت، وشنه حرباً اقتصادية على الفضاء الأوروبي، ودعمه السياسي للقوى المحاربة للبيت الأوروبي الموحد، وكان آخر فصول هذه المغامرة قراره الاستعراضي بإخراج 12 ألف جندي أمريكي من ألمانيا في إطار سياسة الضغط على أنجيلا ميركل لكي ترفع حجم مشاركتها في ميزانية الحلف الأطلسي.


تركيا استغلت هذه الظرفية لتكشر عن أنيابها، كما استغلت موقف بعض الأوساط الأمريكية التي تتبنى مقاربات نسبياً جديدة، أولاً: باعتبارها أن ما يقع في شرق المتوسط وليبيا هو شأن أوروبي محض وعلى الأوروبيين أن يجدوا له حلاً ذاتياً، وثانياً: باعتبار أن التحرك التركي في المنطقة عنوانه الأساسي عرقلة اللعبة الروسية في المنطقة، وليس ضرب المصالح الأوروبية.

كما يتابع الأوروبيون عن كثب تداعيات الحملة الانتخابية الأمريكية، وفي قرارة أنفسهم حلم دفين بألا يجدد الأمريكيون ثقتهم في الرئيس ترامب لولاية ثانية، وقناعتهم بأن رجلاً كجو بايدن يمكن مع فريقه الديمقراطي أن يصلح في العلاقات الأووربية ـ الأمريكية ما أفسده ترامب، واستطلاعات الرأي التي تمنح بايدن اليوم تقدماً ملموساً على غريمه ترامب تثير شهية الإعلام الأوروبي، الذي يعلق عليها آمال التغيير في سياسة الولايات المتحدة الخارجية.

وفي هذا الإطار، وتحسباً لفوز ترامب بولاية ثانية ارتفعت أصوات أوروبية نافذة، تدعو المنظومة الأمنية والسياسية الأوروبية إلى أنه ـ في المستقبل القريب ـ يجب التصرف، وبلورة الخيارات الاستراتيجية على أساس أن الولايات المتحدة لم تعد حليفاً طبيعياً للاتحاد الأوروبي، بل منافساً يسعى إلى تقويض نفوذه وتفكيك مفاصله.
#بلا_حدود