الاثنين - 02 أغسطس 2021
الاثنين - 02 أغسطس 2021

بقايا جبران.. وطائر الفينيق

أحمد المسلماني
رئيس مركز القاهرة للدراسات الاستراتيجية، عمل مستشاراً سابقاً للرئاسة المصرية، له العديد من المؤلفات السياسية، قام بتحرير كتاب "عصر العلم" تأليف الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل في العلوم، تقديم الأديب نجيب محفوظ الحائز على جائزة نوبل في الآداب.
أطلّت صورة معلّقة للشاعر الكبير جبران خليل جبران وسط أطلال منزل في بيروت، بدا صاحب الصورة وكأنه يتساءل من مرقده: ما الذي يجري في بلادي؟

كان أول تقدير للبنانيين أن ما جرى هو تفجير نووي، وحيث لا يوجد منطق لأن يتم ضرب بيروت بالقنبلة النووية، فقد جرى تفسير الأمر على أنه تفجير في مكبّ للنفايات الذرية.

ثمّة صورة هيروشيما الشهيرة، عيش الغراب واللون الوردي، والزلزال الناجم عن الانفجار، والذي وصل إلى أوروبا وشمال أفريقيا.

بعد قليل قال العلماء إنه ليس تفجيراً نووياً، وقال المسؤولون اللبنانيون إنّ قرابة 3 آلاف طن من نترات الأمونيوم كانت مخزنة في الميناء قد انفجرت على إثر حريق مجاور.

راحَ الإعلام يتحدّث عن خريطة رفعها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يتحدث فيها عن أسلحة لإيران وحزب الله، في موقع يبتعد 10 كم فقط من موقع التفجير، وأذاع آخرون مقطعاً مصوّراً لزعيم حزب الله حسن نصرالله يهدد فيه بتفجير سفينة نترات أمونيوم ترسو في حيفا، إذا ما أراد.

كما تحدث قادة لبنانيون عن تعطيل كل المراسلات الإدارية والقانونية المتعلقة بالتخلص من تلك الأطنان الخطيرة، وذلك من أجل استخدامها في وقت ما، وتحدث خبراء روس عن أن تلك الأطنان جرت سرقة معظمها، وأنها لو انفجرت كلها بالحجم المذكور لانتهت بيروت.

لم يكن لبنان يحتاج إلى هذه الكارثة، ذلك أن البلد الرائع الذي يحظى بجاذبية خاصة كان قد دخل مرحلة «الدولة الفاشلة»، وحسب العنوان الشهير لصحيفة النهار «الدولة الفاشلة تطلق النار على نفسها».

دخل لبنان مرحلة الإفلاس بسبب ديون يزيد حجمها عن ديون إندونيسيا، أكبر دولة في العالم الإسلامي.

لم يعد بمقدور الدولة تقديم أي شيء لأىّ أحد، لا تشغيل الكهرباء، ولا إزالة القمامة، ولا دفع الرواتب، ولا صرف أرصدة المواطنين لدى البنوك.. لم يعد بمقدور الدولة اللبنانية دفع الديون، ولا الحصول على ديون جديدة!

وسط حطام الاقتصاد، جاء حطام الأمونيوم، ليضيف إلى المأساة مأساة أكبر، وليصبح ما يحتاجه لبنان للعودة إلى مرحلة الإفلاس السابقة للانفجار نحو (20) مليار دولار.

وعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون - الذي انقطعت الكهرباء أثناء وجوده في الرئاسة اللبنانية - بالتحدث مع المجتمع الدولي للحصول على دعم للبنان، لكن أكبر قرض دولي في زمن كورونا، وكان من نصيب نيجيريا - أكبر دولة في أفريقيا - لم يصل إلى 4 مليارات دولار.

تبدو لبنان وكأنها أسيرة لعبة دومينو، وقد أُغلقت اللعبة عليها، حتى استيأس البعض وطلب عودة الاحتلال الفرنسي للبنان، لكن لبنان الذي يشبه طائر الفينيق الأسطوري، هو ذلك البلد القادر على الانبعاث من وسط الرماد.

ذات يوم التقيت الفنانة الكبيرة فيروز في بيروت، وقال أحدهم: كان لدينا أمل.

فردّت فيروز: ولا يزال عندنا أمل.
#بلا_حدود