الخميس - 05 أغسطس 2021
الخميس - 05 أغسطس 2021

بيروت.. مرفأ الألم وأنشودة الأمل

د.عماد الدين حسين
كاتب وخبير قانوني دولي في تسوية المنازعات بالطرق البديلة، زميل معهد المحكمين البريطاني ووسيط معتمد في مركز تسوية المنازعات بلندن، محكم تجاري دولي ومستشار ومدرب دولي في مجالات التفاوض والوساطة والتحكيم.
من منا لم يبكِ بقلبه قبل مقلتيه بيروت، جوهرة الشرق، وبلاد الأرز، باريس الشرق، صغيرة المساحة، عظيمة المكانة، التي خبأت بين جنباتها ثقافات وحضارات وذكريات وأزمات وانتصارات؟.. إنها قصة مجد وحضارة، منبع عراقة وأصالة.. بيروت حكايات لا تنتهي، ألهمت الشعراء، وأسالت حبر الكُتاب، وغازلت قريحة الأدباء.. وصباحات فيروز، وإبداعات جبران التي صدحت بعشرات اللغات.. بيروت النهضة الفكرية التي قادها ميخائيل نعيمة.. وقوافي شاعر القطرين «خليل مطران»، وخمائل إيليا أبوماضي، وألحان الرحباني، وجبليات وديع الصافي.. بيروت لحن مخملي تعشقه، وقافية جمالية خماسية الحروف بدايتها (بناء) شامخ وختامها (تاريخ) عريق، وجسر الثقافة في ثلاثية الكتابة والطباعة والقراءة بين القاهرة وبغداد. بيروت زهرة الياقوت، التي تغزل من خيوط الشمس أجمل صباح، وتداعب بأطراف أناملها موجات البحر.. وريثة الحضارة الفينيقية، مهد الآشوريين والبابليين والإغريق، ثم الرومان.. حلقة وصل بين الشرق والغرب، عشقها التجار وقصمت كل جبار. في لمح البصر طمس الانفجار معالمها النابضة بالحياة، وتبدل حالها، وصرخ أهلها، لتشكو دهراً طويلاً من تعمد الإهمال وطول النسيان، لتنفطر قلوبنا لأجل هذا المآل لمدينة ليست كأي مدينة.. فمن منا لم يشعر بالخذلان، وهو يرى الغرباء يسيّرون ركب المساعدة ويقتحمون زحام المكلومين بحارات الأشرفية؟ ويتفقدون مرفأ الألم، يضمدون جراحهم، ويصغون لأوجاعهم، ويحتوون صرخاتهم، ويطمئنونهم على مستقبل مدينتهم ووطنهم. بيروت التي ضمدت جراحها فيما مضى تعود في كل مرة بكامل أناقتها.. وهي التي قاست ويلات الحرب الأهلية منذ عام 1975 حتى 1990، وهزتها قنابل العدو الصهيوني عام 2006.. وفجعت في الحريري عام 2005، وشهدت، ولا تزال، أزمات اقتصادية واجتماعية وصحية ومعيشية متلاحقة.. إنها قوية، عصية، أبية بما يكفي لتنفض عنها ركام الانفجار بكل ما حوى وستنهض من جديد في كامل حلتها لتقول للعالم: «للحياة عنوان اسمه بيروت، فهي نجمتنا.. وخيمتنا»، كما وصفها وبحق محمود درويش، و«ليس للحب ببيروت خرائط»، كما شهد لها نزار قباني. ستبقى بيروت منارة حضارية، وملتقى الجمال والإنسانية، وكما كان دوي الانفجار مؤلماً مدمراً، سنرمق بيروت قريباً بمقل يملأها الفخر والانتصار، لأنها «مدينة لا تموت» ومرفأ محبة وأمان، وتسامح وتعايش وسلام لعشاق الحياة وصناع أنشودة الأمل البيروتي.
#بلا_حدود