الاثنين - 27 مايو 2024
الاثنين - 27 مايو 2024

الديمقراطيون ومستقبل الولايات المتحدة

حكماً لم تشهد انتخابات رئاسية أمريكية مثل هذا المستوى من التناحر الأقرب إلى الانتحار السياسي، من أجل حرمان الرئيس من البقاء في كرسيه الرئاسي لأربع سنوات أخر قادمة، وحتى لو كلف الأمر البلاد والعباد الدخول في مرحلة من انسداد الأفق الديمقراطي مرة وإلى المدى الذي معه تتفكك أمريكا.. ما الذي نعنيه بهذا الحديث؟

ليس خفياً عن أعين القارئ المحقق والمدقق أن الوصول إلى البيت الأبيض يمثل قمة الانتصار السياسي لأي من الحزبين الأمريكيين، الجمهوري والديمقراطي، ولهذا يسعى كلاهما لتفعيل كافة الأوراق السياسية من أجل تحقيق هذا الغرض.

هنا نحن بشأن الحديث عن المبارزة السياسية بالأفكار والأيديولوجيات، وعبر المقدرة على إقناع الناخب الأمريكي بصحة هذا أو تهافت ذاك.

لكن المشهد الأمريكي الآني يشير إلى أن موجة غير اعتيادية من العنف تلف بعضاً من كبريات المدن الأمريكية، والتي يقوم عليها الديمقراطيون، وكأني بحكامها ومسؤوليها يسعون جاهدين لإشعال المشهد الشعبي في الداخل لإقناع الناخب بأن ترامب غير قادر على إدارة البلاد والنجاة بالعباد من دائرة الصراعات التي باتت أهلية وعرقية، بل ومذهبية دينية في بعض من ولايات أمريكا الواسعة والشاسعة.

تظهر الإحصائيات الأمريكية الأخيرة أن الديمقراطيين يديرون المدن العشر الأولى الأعلى في معدل الجرائم العنيفة داخل أمريكا من أمثال نيويورك ولوس أنغلوس وشيكاغو.

والأمر لا يتوقف عند هذا الحد، ذلك أنه ومع بداية شهر سبتمبر الجاري سيدير أكبر 100 مدينة أمريكية 64 شخصاً من الحزب الديمقراطي، و28 شخصاً من الحزب الجمهوري و3 مستقلين و4 محايدين.

هل يفهم من هذا أن العنف الذي رأيناه خلال الأشهر القليلة الماضية يمكن أن يمتد ويتصاعد خلال الأسابيع المتبقية على موعد الاقتراع في نوفمبر المقبل لاختيار رئيس جديد للبلاد؟

من الواضح أن هناك تيارات أمريكية عميقة، وأخرى ظاهرة على سطح الأحداث، تصطف في إطار من أقصى اليسار، إلى جماعات الأناركيين، وما يتوافر لدى الإسلامويين، ومن أصحاب التوجهات السياسية المغرقة في الضباب الأحمر، جميعها لا تريد لترامب أن يفوز بأربع سنوات أخر قادمة، ولهذا فإنها لن توفر فرصة لإشعال البلاد مرة أخرى، على أمل أن يغير ذلك من وجهة نظر الناخب الأمريكي في ترامب.

هل سيقف الرئيس ترامب مكتوف الأيدي أمام أفعال الديمقراطيين؟

جواب ساكن البيت الأبيض جاء كالمعتاد عبر تويتر، ففي تغريدة له قال: «إن القوة هي الطريقة الوحيدة لوقف العنف في المدن الخاضعة لإدارة الديمقراطيين».

والشاهد أن غلاة اليمينيين من الحزب الديمقراطي قد سعوا حثيثاً لإشعال لهيب العنصرية منطلقين من حادثة الشاب الأمريكي الأسمر جورج فلويد، ومن بعده ارتكبت بعض من فرق الشرطة الأمريكية أخطاء أخرى، كما في حادث إطلاق النار على «جاكوب بليك»، وهو من أصول إفريقية أيضاً، ما جعل النيران تتصاعد في القلوب والعقول مرة أخرى.

على أن السؤال الأخلاقي الذي يتعين على الديمقراطيين تقديم جواب عنه: «هل إشعال أمريكا يخدم استقرارها، ويمهد الطريق لمستقبل أفضل للأجيال الأمريكية القادمة، أم أن نيران الكراهية سوف تمسك بتلابيب الأمريكيين وتقودهم تالياً، جمهوريين وديمقراطيين، إلى مسارات ومساقات الحرب الأهلية، ومن بعدها تمضي الولايات التي اتحدت طويلاً في طريق التفخيخ، قبل الوصول إلى التفكيك؟

الخلاصة.. المنافسة السياسية الشريفة محبوبة ومرغوبة، أما الكراهية فهي تؤذي صاحبها قبل الآخرين.. هل يتعظ الديمقراطيون قبل القارعة؟