الأربعاء - 26 يناير 2022
الأربعاء - 26 يناير 2022

موقف.. ومعنى الوطنية

حلمي النمنم
وزير الثقافة المصري السابق – مصر
تولى الزعيم محمد فريد قيادة الحزب الوطني في مصر، بعد الوفاة المفاجئة لمصطفى كامل في فبراير 1908، كان مطلب الحركة الوطنية يتركز في طرد المحتل البريطاني والحكم بالدستور، وكان محمد فريد مثل سلفه مصطفى كامل يرى ضرورة توثيق العلاقة مع الدولة العثمانية كي تكون سنداً للمصريين ضد الإنجليز، وكان محمد فريد قد أصدر كتاباً عن تاريخ الدولة العثمانية مشيداً بها.

رفض تيار آخر، يتزعمه لطفي السيد وسعد زغلول الاعتماد على الدولة العثمانية، لأنها خانت المصريين أكثر من مرة، آخرها أيام ثورة أحمد عرابي، حيث انحاز السلطان عبدالحميد إلى الانجليز، ما عجَّل باحتلال مصر.

ولما قامت الحرب العالمية الأولي ازداد ضغط الإنجليز على محمد فريد ورفاقه من الوطنيين، وازداد تربص الحكومة المصرية بهم أيضاً، هنا غادر فريد ورفاقه مصر إلى أوروبا للنضال ضد بريطانيا.


في إسطنبول ترامت إليه أنباء خطة عثمانية لغزو مصر، تقوم الخطة على محورين، الأول: هجوم بقوات وفيالق تجتاح سيناء من جهة غزة، والثاني: هجوم من بعض أنصار العثمانيين من جهة ليبيا ودخول بعض المدن المصرية وإحداث حالة من الفوضى تشل تركيز الحكومة المصرية.


طُلب من فريد دخول مصر مع الحملة، رفض فريد تماماً، وصارحهم بأننا لا نستبدل احتلالاً باحتلال، وأن استقلال مصر لا تراجع عنه، وهناك وضع في سترته شعار «مصر للمصريين»، وهكذا فعل كل من كانوا معه، بما أثار امتعاض وقلق كبار المسؤولين العثمانيين.

كانت دهشة العثمانيين كبيرة، لأن محمد فريد كان يجيد اللغة التركية ويعرف تاريخ الدولة أكثر منهم، لكنهم تصوروا أن تلك الإجادة تعني قبول سيادتهم على وطنه واحتلالهم لمصر.

كان محمد فريد في موقف صعب، فإذا عاد إلى مصر فسوف تقابله بعض الأزمات، وإذا اتجه إلى أوروبا فإن بريطانيا العظمي تترصده، واقع الحال ينبئ بألّا بديل له عن إسطنبول، لكن استقلال وكرامة وطنه أهم، ولا يصح أن يكون مستقبل هذا الوطن موضع مقايضة أو مساومة، وهكذا قرر مغادرة إسطنبول نهائياً وتحمل معاناة التجول والمطاردة في أوروبا، حتى مات شهيداً وحيداً في ألمانيا، وأعيد جثمانه إلى مصر وأقيم له تمثال في واحد من أهم ميادين القاهرة، اعتبره العقاد «المثل للوطنية الصادقة» وأطلق عليه عبدالرحمن الرافعي «زعيم الوطنية».

العثمانيون الجدد يكررون محاولة العثمانيين القدامى، دون أن يستوعبوا فشل غزوة الحرب العالمية الأولى، ولم يتعلم غلمان السياسة المُحدثون ولم يعرفوا شيئاً عن وطنية محمد فريد.