الأربعاء - 26 يناير 2022
الأربعاء - 26 يناير 2022

«بريتاني».. درس نادر التنمية الإقليمية

مارك لافيرني
كبير زملاء البحث في الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي بالمركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، محلل أمني سياسي لقضايا الشرق الأوسط.
كثيراً ما كنت أحب قضاء بضعة أيام من فترة نهاية الصيف في مقاطعة «بريتاني» الفرنسية للتمتع بالهدوء والسكينة في هذه المنطقة الرائعة، وخاصة بعد انصراف أفواج السيّاح منها.

«بريتاني» شبه جزيرة تقع شمال غرب فرنسا، تمتد ضمن المحيط الأطلسي وتتألف من أراضٍ وعرة يحيط بها البحر من ثلاث جهات، وكان السلتيّون هم أول من نزل بها بعد فرارهم من بريطانيا عندما غزاها السكسون والإنجليز في القرن السادس الميلادي.

ولهذا السبب، كان أول إسم أطلق عليها هو «بريطانيا الصغرى»، ثم ما لبث إسمها أن شهد بعض التحريف والاختصار حتى أصبحت تعرف باسم «بريتاني»، سكانها أقرب إلى الشعوب الأيرلندية والاسكتلندية والويلزية، ويشاركون تلك الشعوب بعض عادات وتقاليد الثقافة السلتيّة ولغتها.


وكُتب على هذا القوم من الأوروبيين الغربيين القدامى (حتى في منطقة غاليسيا الإسبانية) أن يواجهوا عبر القرون، الطموحات والهيمنة الأجنبية الإنجليزية في الجزر البريطانية، ثم الفرنسية هنا، ولم يتم ضمّ هذه المقاطعة شبه المنعزلة لمملكة فرنسا إلا في القرن الـ16، وكان جل اهتمام فرنسا بالمنطقة يتجلى بشكل أساسي بالموانئ النشطة وببحارتها الطموحين الذين تمكن بعضهم من الهجرة والإقامة الدائمة على الشاطىء الآخر من المحيط الأطلسي، وانتشروا على مساحات شاسعة من العالم الجديد تمتد من كندا حتى البرازيل.


واستمرت مقاومة شعب «بريتاني» للاستعمار الفرنسي عدة قرون، ووقفوا ضد الثورة الفرنسية وتصدوا للقمع الدموي الفرنسي، وفي عقد السبعينات من القرن الماضي طالب حزب «جبهة تحرير بريتاني» بالاستقلال وتعهد بتحقيق هذا الهدف عن طريق العنف المسلّح.

إلا أن الأمور هناك ذهبت في اتجاه آخر، وبدلاً من الحصول على الاستقلال شهدت «بريتاني» ثورة تنموية حقيقية بفضل استثمارات الدولة في البنية التحتية والزراعة والصناعة والمشاريع السياحية.

وخلال 30 عاماً، أصبحت المقاطعة إحدى أكثر مناطق فرنسا ازدهاراً، ومن بين أفضل مصدري المنتجات الزراعية والبحرية، فضلاً عن نجاحها في استقدام وتأهيل التكنولوجيا المتطورة المنقولة إليها من خلال السياسة الوطنية الفرنسية للتنمية الإقليمية، وتمكنت من تجاوز عقدة النقص الكامنة فيها بنجاح، وأثبتت وجودها ودورها كمركز جذاب لشرح قصص النجاح من دون أن تفقد هويتها وانتماءها الثقافي، وهي تشهد حالة خاصة من الانتعاش والنجاح الثقافي والسياحي مكنتها من اجتذاب الشبان من كل أنحاء فرنسا والجزر البريطانية وبقية أنحاء أوروبا خلال فصل الصيف.

ويمكن لهذا الإقليم الناجح أن يكون مثالاً حيّاً عن الدور المهم للتنمية الإقليمية في تحقيق التطور والاستقرار السياسي، وتعويض وإصلاح عناصر الخلل في اختلاف الانتماءات الثقافية، وهو يمثل أيضاً الوصفة السحرية لتحقيق الوحدة الوطنية والسلام والأمن الوطني مهما اختلفت اللغات والثقافات والمعتقدات الدينية لسكانه.

وهنا تبرز الحقيقة التي تفيد بأن المجتمعات الأكثر انعزالاً يمكنها إثبات قدراتها على النجاح والتطور بشرط أن يتم إبعادها عن العنف الدموي أو التمرد المسلح.