الخميس - 21 يناير 2021
Header Logo
الخميس - 21 يناير 2021

تونس.. أسئلة الإرهاب

عبدالجليل معالي
كاتب صحفي تونسي. حاصل على شهادة الأستاذية في التاريخ. صحفي في جريدة العرب الدولية منذ أكتوبر 2012. له كتابات في مجلة الهلال، وجريدة الأهرام، ونشرية مقاليد، فضلاً عن كتابات في صحف تونسية عدة.
لم تتوافر للتونسيين شجاعة طرح الأسئلة الحقيقية المتصلة بالإرهاب منذ أطل على البلاد بعد مفصل يناير 2011، وظلُّوا يرددون، إثر كل عملية إرهابية تضرب البلاد مقولات «مائعة»، والعملية الإرهابية الأخيرة، التي طالت مدينة سوسة وسط البلاد، الأحد الماضي، أكدت حقائق عديدة تتجاوز البعد الوقائعي للحدث بما يحيل إليه من ضحايا وردود أفعال.

عملية سوسة الأخيرة بينت أن التونسيين لا يملكون ترف ترديد القراءات السطحية للظاهرة، وتكرار مقولات الجاهزية الأمنية والاستنفار الوطني والتنديد بالعملية وتأويل توقيتها السياسي أو تبرير الإرهاب بالظروف الاجتماعية والاقتصادية.

في عمق الحدث الإرهابي الأخير، وغيره من العمليات السابقة، انفتاح على قضايا ظلت مهملة، لم تتجرأ الحكومات المتعاقبة على إثارتها، وفي دواعي تفشي الإرهاب في تونس، التي تحولت إلى أكبر مصدر للعناصر الإرهابية، فكر تكفيري ازدهر في السنوات التي تلت الثورة، ومساجد منفلتة عن سيطرة الدولة، وجمعيات خيرية تمد التيارات الإرهابية بما تحتاج إليه من تمويل وتدريب وإشراف، وصلات مع منظمات إخوانية وإسلامية خارج البلاد.


وفي أسباب الظاهرة الإرهابية غضّ نظر سياسي، ومسؤولية سياسية تتحملها الحكومات التي تعاقبت على حكم البلاد، والتي كانت حركة النهضة حاضرة فيها على الدوام.

لا تصمد التحاليل الكسولة المتسرعة، التي تقرأ الإرهاب بكونه ظاهرة ناتجة عن الظروف الاقتصادية المتردية، أو باعتباره ناتجاً عن سنوات السجون زمن زين العابدين بن علي، أمام الوقائع المتحولة التي تزودنا بها الظاهرة الإرهابية في تونس، ومن ذلك أن منفذي العملية الأخيرة كانوا أطفالاً زمن بن علي، ولم يعرفوا سجونه ولا ملاحقاته، بل نشؤوا وترعرعوا زمن الثورة، وتم استقطابهم وغسل أدمغتهم بفعل الخطاب التكفيري، الذي هيمن على البلاد ولم ينجُ أي فضاء من مفاعيله، ووصل مداه إلى قبة البرلمان حين تجرأ نائب من ائتلاف الكرامة على اعتبار التكفير حكماً شرعياً لا يجوز الخجل منه.

الواضح أن تخلص تونس من الإرهاب مشروط بتغيير سياسي عارم، يبدأ من إعادة النظر في نظام سياسي أجاز النشاط لحزب التحرير الذي لا يعترف بالدولة ولا بالديمقراطية، ويصل إلى تفكيك المنظومة السياسية والفكرية المنتجة للإرهاب، مروراً بكشف قنوات التمويل والتخطيط والتدريب والجمعيات الخيرية التي مثلت حيلة للانفلات من تبعات قانون تمويل الأحزاب.

وبدون ذلك، فإن الإرهاب سيواصل أشغاله في تونس، مستفيداً من الظروف الإقليمية الملتهبة، ومن تغاضٍ سياسي ورسمي طال مداه، وسمح بدفن الكثير من أسرار العمليات الكبرى التي شهدتها البلاد.
#بلا_حدود